إن الحديث عن مصدر الإلزام في فلسفته وثيق الصلة بفلسفته الميتافيزيقة في تصور الكون. فالعالم عنده عالمان:
أحدهما: عالم الأشياء كما هي في ذاتها.
والعالم الثاني: هو عالم الأشياء التي تبدو لنا وهو يختلف عن الأول، مثال ذلك أن الرجل الذي ولد على عينيه منظار أزرق اللون مثلًا يرى كل شيء مصطبغًا بهذا اللون، وكذلك العقل، فإنه يضيف إلى الأشياء صفات الكم والكيف كون الشيء علة أو معلولًا، يشغل حيزًا من المكان أو الزمان"بهذا لا ندرك قط شيئًا على حقيقته، وإنما ندركه كما يبدو لنا" [1] .
والإنسان لا يخرج عن نطاق العالم الذي أنشأه وصوره له عقله أو على الأقل ساهم في إنشائه.
وبالمقارنة بين العالم والإنسان، فإن للإنسان بدوره مظهرين أحدهما: يتمثل في ذاته التجريبية التي تربطه بعالم الأشياء كما تبدو.
والإنسان بهذه الصفة له طبيعة مزدوجة أي يخضع مع غيره من المخلوقات لقوانين العلية التي تحكم العالم الفيزيقي"أي الطبيعي"والعومل الجبرية تتصل باستعداداته السيكلوجية والفسيولوجية والجنس الذي انحدر عنه، والطبقة المنتمي إليها والبيئة التي نشأ فيها والتربية التي تدرج بها، ولكن مع هذا، فإن الإنسان ليس كالجماد والحيوانات التي لا تستطيع بطبيعتها أن تتصرف على غير الذي تصرفت عليه فعلًا، وإنما هو يتميز عنهما - كما يتميز عن الظواهر الطبيعية - بظاهرة ينفرد بها دون غيره من الكائنات، لأنه الكائن الوحيد الذي يعد من جهة خاضعًا للسنن الطبيعية ونظمها خضوعًا كاملًا ويعد من جانب آخر مزود بدوافع ورغبات تملي عليه ما يأتيه من تصرفات. إنه يتميز بالشعور"بما ينبغي"أن يفعله، أي أن الإنسان وحده"هو الذي يشعر بإلزام يوجب عليه أن يتصرف وفقًا لمبدأ" [2] .
(1) نفسه ص 227.
(2) أسس الفلسفة الخلقية: د. توفيق الطويل ص 227.