تفكره علم ومنطقه حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرْفُ
وقد خرج فيه عن الوزن، لأنه لم يجيء عن العرب"مفاعيلن"في عروض الطويل غير مصرع؛ وإنما جاء"مفاعلن". ونحن نحاكمه إلى كل شعر للقدماء والمحدثين على بحر الطويل فما نجد له على خطئه مساعدا. قال القاضي أبو الحسن، وقد عيب أيضا بقوله:
إنما بَدْرُ بن عمار سحاب ... هَطِلٌ فيه ثوابٌ وعقاب
لأنه أخرج الرمل على"فاعلاتن". وأجرى جميع القصيدة على ذلك في الأبيات غير المصرَّعة، وإنما جاء الشعر على"فاعلن"وإن كان أصله في الدائرة فاعلاتن" [1] ، ويذهب الشيخ يوسف البديعي (تـ 1073 هـ ) ) إلى أن التدافع هو تعسف على الوزن، وليس بمخصوص بالطويل وحده، بل يلحق كل كذلك البحور الأخرى مثل الرّمل. وهنا يظهر كيف استند العبدري إلى جهود الأدباء بالاستقراء، والاحتجاج بها لصالح شيخه، في مقابل غض النظر عن رأي النقاد ومنهم البديعي في ذمِّ هذا التدافع والانتصار إلى الموسيقى الداخلية على حساب الموسيقى الخارجية."
من هذا النص للعبدري، يبدو التدافع بين إيقاع التصريع ونغم الترصيع، أو الالتفاف بين علم البلاغة من خلال أسلوب الترصيع وعلم العروض من خلال إيقاع التصريع. وهو تناغم بين مختلفين إذ"لا خفاء بتباين حدَّي المصرَّع والمرصَّع، وتباين حدَّي الترصيع والتصريع مع أن التصريع من موضوع صناعة العروض أو صناعة القوافي لا من موضوع البلاغة" [2] . وهو خلط قد يسقط فيه بعض النقاد -أحيانا-، وقد وقفنا على مثل هذا في رحلة العبدري، يقول:"وأنشدني (ابن خميس التلمساني) عنه (ابن خطاب) أيضا ونقلته من خط ابن خطاب قال: ونظمته والتزمت فيه حرف الراء والتصريع:"
اشْكُرْ لِرَبِّكَ وَانْتَظِرْ ... فِي إِثْرِ عُسْرِ الأَمْرِ يُسْرَا
مُتْفاعِلُنْ/ ... مُتَفَاعِلُنْ ... مُتْفاعِلُنْ/ ... مُتْفَاعِلاتُنْ
مضمر/ ... صحيحة ... مضمر/ ... مرفَّل
وَاصْبِرْ لِكَرْبِكَ وَادَّخِرْ ... فِي سِتْرِ ضُرِّ الفَقْرِ أَجْرا
(1) - الصبح المنبئ عن حيثية المتنبي، يوسف البديعي، تحقيق كل من مصطفى السقا ومحمد شتا وعبده زيادة عبده، دار المعارف، ط 3، القاهرة، ص:366.
(2) - مناهج النقد الأدبي بالمغرب خلال القرن الثامن للهجرة، علال الغازي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، مطبعة النجاح الجديدة، ط 1، الدار البيضاء، 1420 هـ/1999 م، ص:73.