أعذب من سالمه، ذلك ليستتب لهم ما اعتمدوه من بناء دائرة الطويل على اختلاف أجزائها، فتبين بما قلناه أن الجزء الذي نبه أبو محمد على أنه مزحوف هو السالم، ومثله مما أنشده الخليل:
أَقِيمُوا بَنِي النُّعْمَان عنَّا رُؤُوسَكُمْ ... وَإِلاَّ تُقِيمُوا صَاغِرِينَ الرُؤُوسَا
وأن ما سواه من الأجزاء الواقعة موقعه من سائر أبيات القطعة مزحوفة وهي أعذب في الذوق. فإن قلت: لعله يكون ذلك اصطلاح بعض العروضيين في إطلاقهم الزحاف على كل تغيير، قلنا: لا تغيير في هذا لمجيئه على أصله اللهم إلا أن يكون في الذوق، وهم لم يعتبروه ولا وضعوا له لقبا حتى يكون له أثر، وما لا أثر فيه للزحاف فإنما يقال فيه سالم عند الجميع" [1] . من هذا النص لابن عبد الملك نقف على الخلاصات التالية:"
-يُجوِّز القدماء الزحاف سيرا على نهج العروضيين القدماء، وابن عبد الملك المراكشي لا يختلف مع ابن محمد طلحة في القاعدة العروضية.
-لكن اعتراض ابن عبد الملك جاء لنفي كون الزحاف حصل، ويبدو ذلك من خلال تقطيع البيت:
كست شمس دين المصطفى كل ما بها ... فللنور في الأوراق روقٌ عجيب
فعولن/ مفاعيلن/ فعولن/ مفاعلن ... فعولن/ مفاعيلن/ فعولن/ فعولن
سالم /سالم / ... سالم / مقبوضة ... سالم /سالم /سالم / محذوف
من خلال هذا التقطيع يبدو أن تقطيع"روق"أعطى التفعيلة"فعولن"وهي الجزء السابع من بحر الطويل، وهي سالمة، وإذا كان من تغيير فهي العلة التي لحقت الضرب، حيث جاء على تفعيلة"فعولن"وسالمه"مفاعيلن"، فهو ضرب محذوف، وهي علة معروفة في الطويل، بالإضافة إلى علة عروضه المقبوضة. وهذا الناقد هنا لا يرى فرقا بين العلة والزحاف.
-من اللافت للانتباه -هنا- أن ابن عبد الملك يستند إلى مرجعية حذاق العروضيين في الاحتجاج على أبي محمد طلحة خلاف ما رأيناه سابقا، حيث وجدنا أن النقاد يستندون إلى التراث الشعري وما درج عليه الشعراء القدماء. وهو ما يدل على ضبط هذا الناقد لعلم العروض من جهة، ونقد الشعر بمرجعيته.
-يعود المراكشي إلى تفعيلة"فعولن"في حشو الطويل ليناقشها في باقي الأبيات الأخرى:
مجالس أصحاب الحديث حدائق ... تنزَّه فيها أعينٌ وقلوب
(1) - الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك المراكشي، بقية السفر الرابع: قدم له وحققه وعلق عليه إحسان عباس، دار الثقافة، (د. ط) ، بيروت، (د. ت) ، ص:167 - 169.