يعتبر الزحاف من الأمور المعتادة لدى الشعراء العرب، فقد قيل"إن الخليل كان يستحسن الزحاف إذا قيل في البيت، فإذا توالى وكثر في القصيدة سمُجَ" [1] ، ولم يختلف النقاد عن الشعراء في نظرتهم للزحاف، إلا أنهم فصَّلوا في مستوياته: فجعلوا منها القبيح، والعذب الذي قد يكون أجود من السالم.
يجوِّز ابن عبد الملك المراكشي (تـ 703 هـ) الزحاف، بل ويجعله أحيانا أعذب من السالم، يقول في ترجمة طلحة بن محمد بن طلحة بن محمد بن عبد الملك الأموي (تـ 643 هـ) :"قال أبو محمد طلحة، رحمه الله: أنشدنا القاضي أبو أمية بن سعد السعود بن عفير ... كان أبو زكرياء يحيى بن عاند ينشدنا في أواخر مجالس السماع:"
مَجَالِسُ أَصْحَابِ الحَدِيثِ حَدائَقٌ ... تَنَزَّهُ فِيهَا أَعْيُنٌ وَقُلُوبُ
وسئل شيخنا أبو أمية تذييله فأنشدنا لنفسه:
وتعلقُ بِالأَسْمَاعِ مِنْ لفظ أهلها ... شنوفُ معان صَوْغُهُنَّ عجيب
وتَسْري إلى الأفكار منه رسائلٌ ... لَهَا نَفَحَاتٌ عرفَهُنَّ يَطِيبُ
قال ابن طلحة: وسألني صاحبنا وشيخنا أبو محمد بن قاسم الحريري تذييل البيت أيضا، ولم يسعني إلا أن أجيبه فقلت:
مجالس أصحاب الحديث حدائقٌ ... تَنَزَّه فيها أعينٌ وقلوبُ
تَفَجَّر ينبوعُ الشريعةِ وسْطَها ... فأينع غُصْنُ العلم فهو رطيبُ
كَسَتْ شَمْسُ دِينِ المُصْطَفَى كُلَّ مَا بِهَا ... فَللنُّورِ فِي الأَوْرَاقِ رَوْقٌ عَجِيبُ
قال المصنف عفا الله عنه: ولا خفاء بشفوف قطعة أبي محمد طلحة على قطعة القاضي أبي أمية -رحمهما الله- لشدة مناسبتها البيت الأول، ولكل أجر اجتهاده نفعهما الله؛ ومما ينبغي التنبيه عليه أن الأستاذ أبا محمد طلحة نبه فيما وقفت عليه بخطه على قوله"روق"بما نصه: مزحوف جائز، وليس ما قاله بصحيح عند حذاق العروضيين حسبما تقرر من الاصطلاحات، بل هو سالم غير مزحوف لأنه"فعولن"على أصله، وبيان ذلك أن هذه القطعة من الضرب الثالث من الطويل وهو المحذوف: كان أصله مفاعيلن فحذف، والحذف إسقاط متحرك وساكن من آخر الجزء، وهو المسمى عند العروضيين سببا خفيفا فصار الجزء بعد الحذف"مفاعي"فنقل إلى مثل وزنه، وهو"فعولن". وكثر في"فعولن"الذي قبله الزحاف المسمى عندهم بالقبض وهو حذف الساكن الخامس من الجزء، وكان أصله"فعولن"فانتقل بالقبض إلى"فعول"واستعذب في الذوق حتى صار مزاحفه
(1) - بناء القصيدة في النقد العربي القديم، يوسف حسين بكار، دار الأندلس، ط 2، بيروت، 1982 م، ص:171.