فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 138

من خلال هذا البيت، يبدو أن أغلب تفعيلاته ترده إلى بحر الرجز، إلا أن زحاف عروضه وضربه غير معروفان لهذا الوزن. إذ المعروف فيه أن تكون سالمة: مُسْتَفْعِلُنْ، لكنها جاءت هنا:"فَعِلُن". وأما ضربه فيكون سالما، وقد يأتي مقطوعا:"مُسْتَعِلْ"، وفي هذا البيت تنقصه حركة وسكون:"/0".

ومن الفئة الثانية؛ يورد الثعالبي (تـ 429 هـ) قصة في يتيمة الدهر حول عدم اهتمام الشعراء بالعروض أو معرفتهم لمبادئ الإيقاع الشعري، يقول عن أبي القاسم عبد الواحد بن محمد الأصبهاني:"جمعتني وإياه مناسبة الأدب وفتقنا نوافج المذاكرة وتجاذبنا أهداب المحاضرة والمناشدة ولذَّ لنا العيش وطاب الوقت بالمعاشرة فأنشدني يوما لنفسه قصيدة منها هذا البيت:"

وَلَيْلٍ خَداريَّ الجَنَاح مخدَّر الصـ ... ـباح حرون النجم طاولته فكرا

فاستعدته إيَّاه فأعاد فقلت له أو علمت أنَّه مرصَّع وفيه تجنيس وتسجيع واستعارة وطباق فاستفسرني فقلت: أما التجنيس فقولك خداري الجناح ومخدَّر، وأما التسجيع فقولك خداريّ الجناح مخدَّر الصباح، وأما الاستعارة فقولك حرون النجم، وأما الطباق فجمعك بين الليل والصباح، فقال والله قد نبهتني على ما غفت عنه، وقام إليّ فقبَّل رأسي وقال لي كل حسن" [1] ."

ويجمع ابن رشيق بين رأيي الفئتين بقوله:"والمطبوع مستغن بطبعه عن معرفة الأوزان، وأسمائها، وعللها؛ لنبوة ذوقه عن المزاحف منها والمستكره. والضعيف الطبع محتاج إلى معرفة شيء من ذلك يعينه على ما يحاوله من هذا الشأن، وللناس في ذلك كتب مشهورة، وتواليف مفردة، وبينهم فيه اختلاف" [2] . فالشعراء في علاقتهم بالوزن لدى ابن رشيق فئتان:

-الشعراء المطبوعون؛ وهم غير معنيين بمعرفة العروض عموما.

-الشعراء ضعاف الطبع؛ وهم معنيون بمعرفة العروض، والإطلاع عليه في المصنفات المعروفة له.

من خلال هذه النصوص؛ نجد أن من النقاد من يربط بين الشعر والأوزان المعروفة في التراث الأدبي ربطا وجوديا، فلا وجود لشعر من دون هذه الأوزان، عَلِمَ بها الشاعرُ أو لم يعلم. ومنهم من يترك لطبع الشاعر حرية اختيار الوزن، سواء كان مما عرف لدى العرب، أو مما جادت به قريحته.

وبمقارنة جهد نقاد القرن الهجري الثامن بجهد النقاد العرب القدماء، نجد أن المتأخرين أشد حرصا على دعوة الشعراء إلى معرفة العروض، لأن المطبوع محتاج لتأطير طبعه نحو أوزان العرب، والضعيف محتاج إليه لبناء شعره، في حين أن المذكورين من النقاد القدماء، أحلوا المطبوعين من هذه المعرفة. ويكمن الفرق -هنا- في كون المتأخرين تشددوا في فهمهم

(1) - يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، الثعالبي أبو منصور، شرح وتحقيق مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، ط 1، بيروت، 1403 هـ/1983 م، ج 5، ص:132 - 133.

(2) - العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، أبو الحسن بن رشيق القيرواني، تحقيق وتعليق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الرشاد الحديثة، (د. ط) ، الدار البيضاء، (د. ت) ، ج 1، ص:134 - 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت