والكلام على أبوابه" [1] ؛ فهذا الناقد يقدم لنا صورة عن مبدع له دراية بعلم العروض، ومن أعلامه، إلا أنه لا يشعر بالوزن، فإذا قال كان صانع شعر."
وهذه القضية المتعلقة بصلة المبدع بالوزن وقصده إليه، من القضايا التي تناولها النقد الأدبي العربي القديم: فهناك من النقاد من يرى معرفة العروض ضرورة في إبداع الشعر، ومنهم من يؤكد على مسألة الشعور بالوزن وإن لم تكن المعرفة بالعروض:
من الفئة الأولى؛ يرى ابن جني أن"ما وافق أشعار العرب في عدَّة الحروف الساكن والمتحرك سمي شعرا، وما خالفه فيما ذكرناه فليس شعرا، وإن قام ذلك وزنا في طباع أحد لم يحفل به يكون على ما ذكرناه" [2] . ويعيب أبو هلال العسكري (تـ 395 هـ) -كذلك- الخروج عن الأوزان المعروفة بقوله:"وقد قيل: اختيار الرجل قطعة من عقله؛ كما أن شعره قطعة من علمه. وما أكثر من وقع من علماء العربية في هذه الرذيلة! منهم الأصمعي في اختياره قصيدة المرقش:"
هل بالديار أن تجيب صمم ... لو أن حيَّا ناطقا كلَّم
ولا أعرف على أيّ وجه صرف اختياره إليها، وما هي بمستقيمة الوزن، ولا موريقية الرويّ، ولا سلسة اللفظ" [3] . لقد اكتفى هذا الناقد بالإشارة إلى أن وزن هذا البيت غير مستقيم، دون أن يفرق الناقد بين نوعي الخروج عن أوزان العرب:"
-الخروج من أعاريض الخليل إلى أعاريض جديدة، وفيه نجد النظم، أي الوزن على أوزان فردية غير معروفة وغير مسبوقة من جهة. وما سمي بعد ذلك بالموشحات والدوبيت -وهي أوزان تختلف عن أوزان العرب المعروفة، لكنها حازت إجماعا واعترافا من لدن الأدباء والنقاد- من جهة أخرى.
-انكسار البيت الشعري الخاضع للعروض الخليلي. ففي البيت الذي جاء به نجد:
هَلْ بِالدِيَّارِ أَنْ تُجِيبَ صَمَمْ ... لَوْ أَنَّ حيًّا ناطقًا كَلَّمْ
مستفعلن/ مفاعلن ... /فعلن ... مستفعلن/مستفعلن/فاعلن
سالم/ ... مخبون/ ... ... سالم/ ... سالم/
(1) - التاج المحلى ومساجلة القدح المعلى التاج المحلى ومساجلة القدح المعلى، ضمن: ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب، ابن الخطيب، تحقيق محمد عبد الله عنان، مكتبة الخانجي، المطبعة العربية الحديثة، ط 1، القاهرة، 1401 هـ/1981 م، ص:404.
(2) - كتاب العروض، تحقيق وتقديم أحمد فوزي الهيب، دار القلم للنشر والتوزيع، ط 2، 1409 هـ/1989 م، الكويت، ص:59.
(3) - كتاب الصناعتين، أبو هلال العسكري، تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة المكتبة العصرية، 1986 م، صيدا، لبنان، ص:3.