فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 138

وإذا اختار المبدع الوزن الذي يروم القول فيه، تبدأ عملية الصنعة في حسن توظيفه، وبناء الشعر على إيقاعه، ولهذا نجد ابن خلدون (تـ 808 هـ) يوضح هذا الإيقاع الشكلي في الشعر للمبدع بقوله:"هو كلام مفصَّلٌ قطعا قطعا متساوية في الوزن متحدة في الحرف الأخير الذي تتَّفق فيه رويًّا وقافية ويسمى جملة الكلام إلى آخره قصيدة وكلمة وينفرد كل بيت منه بإفادته" [1] ، فهكذا ورث العرب بناء القصيدة عن القدماء. وورث النقاد فهم البناء الموسيقي لها عن القدماء. يقول ابن طباطبا العلوي (تـ 322 هـ) :"فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخَّض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه" [2] . وقد أكد غير هذا الناقد على ضرورة الحذق في توظيف الوزن لكل من رام القول الشعري.

ولهذا نجد أن الناقد ابن الأحمر (تـ 807 هـ) يؤكد على ضرورة معرفة العروض، حتى يتسنى له حسن توظيفه، يقول:"ولا بد له من معرفة العروض، وعلم القوافي. إذ بالعروض يقيم صغا الأوزان الموجودة للعرب، ومن كان جاهلا به، والوزن في طبعه، ربما وقع في غير أوزان العرب، وخرج للأوزان الطبيعية من الدوائر وغيرها مثل أوزان الموشح وغيره" [3] ، فهذا الناقد يفرق بين نوعين من المبدعين:

• معرفة المبدع للعروض، وتوظيفه توظيف العارف به.

• عدم معرفة المبدع للعروض، لكن الوزن في طبعه، فيكون شعرا وفق إيقاع معين خارج إيقاع الخليل، وقد يوافق أعاريض معروفة مثل: الموشح والدوبيت، أو وزن غير معروف. وهو ما يعني أن الشعراء لديه على فئتين:

-الشعراء المطبوعون وهو الذين يجري الوزن في قرائحهم، وهم محتاجون لمعرفة العروض لضبط الوزن قصد توجيهه نحو ما عرف لدى العرب.

-الشعراء الضعاف؛ وهم محتاجون إلى معرفة العروض ليساعدهم على بناء الإيقاع.

وقد شاع هذا التفريق بين نقاد القرن الهجري الثامن، يقول ابن الخطيب (تـ 776 هـ) عن أبي عبد الله بن رشيد (تـ 721 هـ) :"وكان له شعر يتكلَّفه، ولا يكاد لعدم شعوره بالوزن يتألف، ومع ذلك، فأعلم أهل زمانه بالبديع وألقابه،"

(1) - المقدمة، ص:784.

(2) - عيار الشعر، محمد ابن طباطبا العلوي، شرح وتحقيق عباس عبد الساتر، مراجعة نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، (د. ط) ، بيروت، 1402 هـ/1982 م، ص:11.

(3) - نثير الجمان في شعر من نظمني وإياه الزمان، أبو الوليد إسماعيل بن الأحمر، حققه وقدم له محمد رضوان الداية، مؤسسة الرسالة، ط 1، بيروت، 1396 هـ/1976 م، ص:52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت