أخذهم بحديث النهي عن بيع وشرط فقد أجازوا مسألة تسمير القبقاب أي شراء القبقاب على أن يستمر له سيرًا أي يستعمله شخصيًا ولا يتصرف فيه فهذا بيع مع شرط المنع من التصرف صح عندهم لتعارف الناس عليه فصح البيع ولزم الشرط استحسانًا لتعامل الناس به ومقتضى القياس هنا هو فساد هذا الشرط لأنه ليس من مقتضى العقد وإن كان فيه نفع لأحد العاقدين. وأجازوا عقد الاستصناع مع أنه لمعدوم وهو باطل عندهم ولكن صح استحسانًا لتعامل الناس به، ومن ذلك أيضًا شراء الصوف المنسوخ على أن يجعله البائع قلنسوة أو شراء قلنسوة على أن يجعل لها البائع بطانة من عنده، ومنه أيضًا شراء ثوب أو خف خلق على أن يرقعه البائع فهذا كله صحيح عندهم لتعارف الناس عليه مع أن القياس منع هذه العقود والشروط لأن النبي ? نهى عن بيع وشرط وأبو حنيفة نفسه هو راوي هذا الحديث [1] وقد يفهم من هذا - لأول وهلة - أنهم يقدمون العرف على النص، وهذا محال فالعرف كما صرحوا بذلك ليس يقدم على النص ولكن يقدم على القياس، وقد علل الحنفية حديث النهي عن بيع وشرط بأن العلة من النهي هي وقوع النزاع المخرج للعقد عن المقصود به وهو قطع المنازعة، ولما كان العرف ينفي النزاع يقينًا إذ لا يمكن أن تستقر عادة بين الناس مع وجود المنازعة، فلذلك يكون العرف موافقًا لمعنى الحديث وليس منافيًا له ولم يبق من الموانع إلا القياس والعرف قاض عليه [2] . وهذا يوضح أن النهي عن الشرط في العقد - عند الحنفية - ليس لذاته وإنما لأنه يؤدي إلى وقوع النزاع والعرف ينفي بطبيعته النزاع وبالتالي يصح العقد والشرط عندهم بالعرف ولا يتعارض هذا الحكم مع الحديث الذي صح عندهم لأن عموم اللفظ هنا مخصص بالعرف فالمقصود من الحديث هو النهي عن الشروط المفضية إلى وقوع النزاع المخرج للعقد عن المقصود به، ولا مانع من أن الأصل في الشروط المقارنة أنها تفضي إلى مثل هذا النزاع إذ أن العرف كفيل بإزالة هذه الصفة عن الشرط الذي تعارف عليه الناس. ومن هذا يتضح أن أخذ الحنفية بالعرف المقدم عندهم على القياس (وليس النص) قد فتح لهم بابًا واسعًا
(1) راجع في هذا حاشية ابن عابدين ج 5 ص 87، 88.
(2) في هذا المعنى حاشية ابن عابدين ج 5 ص 88 ويقول ابن عابدين: والعرف في الشرع له اعتبار ++++ لذا عليه الحمل قد يدار.