الامتناع عنها في حالات خاصة معينة وبموجب العقد، ومثال هذا ما حدث في عقد الحديبية فقد التزام ? بموجب العقد بالامتناع عن قبول أولئك الذين يأتونه مسلمين (من المشركين) في فترة الهدنة فكيف يستساغ بعد ذلك أن يقال: إن الأصل في إيجاب المنع من العمل بموجب العقد إنما هو التحريم، ويلاحظ أن كلام ابن حزم هو عن المنع من العمل المباح أصلًا، وأما إذا كان العمل واجبًا فإن ابن حزم أشد رفضًا للعقد الذي يوجب المنع منه، ولكننا رأينا أن رسول الله ? قد فعله، وهنا فقط يصح أن يقال: إن إيجاب المنع من العمل الواجب إنما الأصل فيه التحريم إلا فيما ورد فيه نص أو تغلبت عليه مصلحة عامة أو مصلحة خاصة أهم منه وهو ما حصل في عقد الحديبية [1] . وأما تحريم إيجاب المنع من العمل المباح بموجب العقد تحقيقًالمصلحة المتعاقدين أو أحدهما فإن هذا أمر غير مقبول كأصل عام في الشريعة على عكس ما يدعي ابن حزم.
وأما قوله تعالى لرسوله: {لم تحرم ما أحل الله لك} فإن هذا سببه أنه قد حلف على تحريم شيء حلال له وبين الله له أنه لم يكن هناك داع لهذا اليمين ولا مصلحة شرعية منه لأحد، وهذا على عكس اتفاق المتعاقدين في عقد معاوضة على امتناع أحدهما عن عمل معين في فترة محددة تحقيقًا لمصلحة مالية أو غير مالية لأحدهما أو لهما معًا، فقد يشترك طبيبان في إقامة مستشفى [2] ويتفقان على التناوب في الحضور على أنه لا يجوز لأي منهما أن ينام في فترة نوبته في المستشفى فهل يستوي مثل هذا الاتفاق وصدور يمين من شخص بألا ينام في ساعات معينة من الليل إرضاء لرغبة طارئة من زوجة أو من أحد أقاربه مثلًا؟ لقد شرع الله تعالى للحالف أن يرجع عن يمينه ويكفر عنها إذا كانت اليمين قد انعقدت صحيحة ويلاحظ أن هذه اليمين بالامتناع تنعقد صحيحة - ما دامت على غير معصية - وهي بالتالي ملزمة لمن عقدها حتى يكفر عنها. ومن هذا يتضح أن الحجج (الثانية والثالثة والرابعة) التي أوردها ابن حزم هنا ضعيفة لا تقوى على تعضيد رأيه.
رابعًا: تفنيد الحجة الخامسة:
(1) أي المنع من حماية من يأتي مسلمًا من المشركين طبقاَ لنصوص عقد الحديبية مع أن الأصل هو وجوب حماية المسلمين.
(2) جاء في المدونة الكبرى لسحنون أنه يجوز الشركة بين الأطباء ج 12 ص 48.