فدخل في هذه الآية في عهد الله ما عقدوه على أنفسهم من عدم التولي، ويضاف إلى هذا أن الله تعالى أمر الإنسان بالوفاء بالعهد إذا عاهد قال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة: 177] ، ونعى الله تعالى على اليهود عدم وفائهم بعهود أنفسهم {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [1] [البقرة: 100] .
هذا ومن التناقض الواضح هنا أن ابن حزم - رحمه الله - ينادى بتخصيص آية الوفاء بالعقود -في غير محل التخصيص المنصوص عليه - ثم يقول في الوقت نفسه إن إيجاب العمل بالبشرة (أي بالبدن) أو بالمال حرامما لم يرد به نص ويستند في هذا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأبشاركم عليكم حرام» فلماذا لا يخصص هذا الحديث بدوره فهو يناديبعمومه مع أن الله تعالى خصص تحريم هذه الأشياء بتراضي الناس في التجارات قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] .
وخصص الله تعالى تحريم الدماء بقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] ، وقال تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] ، هذا وخير الأموال في الشريعة هو المال الذي حصل عليه الإنسان من عمله فكيف يكون الاتفاق على إيجاب عمل الأصل فيه التحريم كما يذكر ابن حزم وكيف يستساغ هنا ما بقوله ابن حزم من أن قوله تعالى: {لم تحرم ما أحل الله لك} يفيد تحريم الاتفاق في العقد على الامتناع عن عمل معين رغم أن هذا الامتناع قد يكون فيه مصلحة للمتعاقدين معًا، ولقد جاءت الشريعة مدحضة لهذا الفهم غير الصحيح، والدليل على هذا أن الرسول صلى وسلم قد أبرم عقودًا التزم فيها بالامتناع عن أعمال معينة ليست فقط مباحة وإنما الأصل فيها أنها واجبة، ورغم ذلك اتفق على
(1) هذا المعنى منقول عن ابن تيمية في الفتاوى الكبرى ج 3 ص 481.