الصفحة 39 من 186

النذور ما دامت على غير حرام، وكذلك سائر العقود ومن ثم فإن رأى ابن حزم هنا ظاهر الخطأ، وقد كان من الطبيعي بعد ذلك أن يهاجم ابن حزم الاستدلال بحديث «المسلمون على شروطهم» لأنه يصطدم اصطدامًا مباشرًا بمذهبه وقد أهدر ابن حزم أحد طرق هذا البحث بقوله: إن كثير بن زيد هالك، والحق أنه ليس بهالك فهو لم يعرف عنه الكذب وإنما وصف مرة بأنه ضعيف ووصف مرة أخرى بأنه ثقة على ألسنة أئمة الحديث كما ذكرنا، ومن جهة أخرى فإن الحديث ومرادفه: «الصلح جائز بين المسلمون إلا صلحًا حرم حلالًا» قد روي من عدة طرق يشد بعضها بعضًا مما يجعله في حكم الصحيح كما صرح بذلك ابن تيمية وغيره وكما ذكرنا من قبل.

وأما قول ابن حزم بأن الحديث على فرض صحته فهو حجة له وليس مخالفًا، فهذا قول يتعارض مع صيغة الحديث العامة وما استثناه منها فقد استثنى الشارع من الشروط المباحة للمسلمين ما أحل الحرام أو حرم الحلال، وأما ما سكت عنه الشارع فهو عفو حلال وقد بين الشارع سبحانه في كتابه العزيز أن ما سكت عنه فهو عفو ولذلك نهى الناس عن كثرة السؤال بغير سبب عن السكوت عنه حتى لا يصدر نهي صريح عنه فيحرم بعد أن كان حلالًا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) } [المائدة: 101] ، وروى أبو ثعلبة الخشني أن رسول الله ? قال: «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم الأشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها» [1] وقول ابن حزم إن عهد الله لا يمكن معرفته فهذا خطأ كما بينا آنفًا لأن عهد الله لا يقتصر على العهود التي يأخذها الله تعالى على الناس بالنص وإنما يشمل ما عقده المرء على نفسه بدليل قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا} [الأحزاب: 15] ،

(1) رواه الدارقطني في سننه ص 502 في الرضاع ويؤكده ما ورد في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم على الناس فحرم من أجل مسألته» [رواه البخاري في الاعتصام 13/ 229 ورواه مسلم أيضًا وهذا الحديث قاطع في أن الأشياء التي سكت عنها الله تعالى الأصل فيها الإباحة أو العفو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت