ويلاحظ أن هذا التجديد من عمر يتعلق بعبادة ولكنه لا يتعلق بأصل من أصول العبادات وإنما يتعلق بمجرد تنظيم للعبادة من فقيه مجتهد وهو الخليفة الراشد - في الوقت نفسه - عمر رضي الله عنه -ويلاحظ هنا أن عمر رضي الله عنه استعمل لفظ البدعة في موضع مدح وهو يقصد منه هنا الجديد المستحدث في غير تعارض مع الشريعة على التفصيل السابق بالنسبة للعبادات والعادات والمعاملات، ولئن كان عمر رضي الله عنه اجتهد وجدد في مسألة هي على هامش العبادات فإنه يجوز من باب أولى استحدث مستجدات في نطاق المعاملات والعادات بشرط ألا تتعارض هذه المستجدات مع نص في الكتاب أو السنة ومن هذا يتضح أن احتجاج ابن حزم بحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ... » آنف الذكر إنما هو احتجاج ضعيف للغاية لا يقوى على منع استحداث عقود جديدة لأن الأصل في العقود هو الإباحة كما قدمنا.
-ثانيًا: الرد على قول ابن حزم بأن كل شرط ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله ? فهو باطل:
فهو يسوي هنا بين الشروط المنهي عنها صراحة والشروط المسكوت عنها أي التي لم يأت نص باعتبارها ولا بإلغائها وهو يستند في ذلك إلى حديث بريرة وهذه الاستدلال منه حجة عليه لأن الشرط الذي في قصة بريرة إنما هو شرط منهي عنه كما صرح بذلك الرسول الله ? في حديث بريرة ولذلك فإنه لا يجوز أن يحمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» إلا على الشروط المنهي عنها فقط. وقد رد ابن تيمية [1] على هذا الاستدلال من ابن حزم بأن المقصود من عبارة الحديث «كل شرط ليس في كتاب الله» : أي كل شرط مخالف لحكم الله سواء أكان في القرآن أوفي السنة الصحيحة لأن هذا القول جاء بخصوص شرط مخالف لحكم الله، وفضلًا عن ذلك فإن عبارة هذا الحديث جاءت عامة تحتمل التأويل وبالتالي يجب أن تفسر في ضوء النصوص الخاصة التي جاءت صريحة في أحاديث حكمها الصحة مثل: «والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا» [2] وقد ذكر ابن تيمية أن هذا
(1) الفتاوى الكبرى ج 3 ص 481 طبعة مصرية بتقديم مفتى الديار الشيخ حسنين مخلوف.
(2) رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح.