يكون ماؤه ورونقه وعلى مقدارها، وعلى وجه تأديتها، يكون مقدار الرأي فيه، ووجه القطع به. بيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
أفصح العرب، على أنه لا يتكلف القول، ولا يقصد إلى تزيينه، ولا يبغي إليه وسيلة من وسائل الصنعة، ولا يجاوز به مقدار الإبلاغ في المعنى الذي يريده، ثم لا يعرض له في ذلك سقْط ولا استكراه، ولا تستزلُّه الفجاءة، وما يبده من أغراض الكلام
وعن النمط الغريب، والطريقة المحكمة، بحيث لا يجد الناظر إلى كلامه طريقًا يتصفح منه صاعدًا أو منحدرًا. ثم أنت لا تعرف له إلا المعاني التي هي إلهام النبوة، ونتاج الحكمة، وغاية العقل، وما إلى ذلك مما يخرج به الكلام، وليس فوقه مقدار إنساني من البلاغة والتسديد، وبراعة القصد، والمجيء في كل ذلك من وراء الغاية. ولا نعلم أن هذه الفصاحة قد كانت
له صلى الله عليه وسلم إلا توفيقًا من الله وتوقيفًا؛ إذ ابتعثه للعرب وهم قوم يقادون من ألسنتهم، ولهم المقامات المشهورة في البيان والفصاحة، ثم هم مختلفون في ذلك على تفاوت ما بين طبقاتهم في اللغات، وعلى اختلاف مواطنهم، فمنهم الفصيح والأفصح، ومنهم الجافي والمضطرب، ومنهم ذو اللوثة والخالص في منطقه، إلى ما كان من اشتراك اللغات
وانفرادها بينهم، وتخصص بعض القبائل بأوضاع وصيغ مقصورة عليهم، لا يساهمهم فيها غيرهم من العرب إلا من خالطهم أو دنا منهم دنو المأخذ. فكان صلى الله عليه وسلم يعلم على حقه، كأنما تكاشفه أوضاع اللغة بأسرارها، وتبادره بحقائقها، فيخاطب كل قوم بلحنهم، وعلى مذهبهم، ثم لا يكون إلا أفصحهم خطابًا، وأسدَّهم لفظًا، وأبينهم عبارة. ولم يعرف ذلك لغيره من العرب، ولو عُرف لقد كانوا نقلوه، وتحدثوا به، واستفاض فيهم. تاريخ آداب العرب، مصطفى صادق الرافعي، ص 224، 225. مزاحه صلى الله عليه وسلم: إن من أخص خصائص الإسلام أنه دين واقعي، لا يغفل عن الواقع طرفة عين، ولا يطلب من أتباعه أن يكونوا ملائكة يمشون على الأرض، أو يعيشون في عالم مثالي مبتوت الصلة بالواقع، وإنما جاء ليمد جسور التواصل بين الإنسان والواقع، معترفًا بغرائز البشر، ومقدِّرًا لما جُبِلوا عليه؛ لذلك لم يكبلهم بأغلال تقيد حركاتهم وسلوكهم، فلا يتكلمون إلا ذكرًا، ولا يسمعون إلا قرآنًا، ولا يقضون فراغهم
إلا في المساجد، فالحق عز وجل خلق البشر، وجبلهم على الفرح والمرح والضحك واللعب، بحيث يجدون في ذلك الملاذ الذي يهرعون إليه هروبًا من غلظ صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في المزج بين الدين والدنيا، فكانت حياته صلى الله عليه وسلم صورة رائعة لما ينبغي أن تكون عليه الحياة الإنسانية؛ فلم يكن فظًّا غليظًا، ولا جافًّا قاسيًا، وإنما هو مع ربه عبد شكور، يصوم حتى يقال إنه لا يفطر، ويفطر حتى يقال إنه لا يصوم، ويقوم حتى تتورم قدماه، مطيلًا الخشوع والبكاء، مستئنسًا في خلواته بعبادة ربه وطاعته، فإذا نزل كان بشرًا كسائر البشر؛ يمزح ويفرح ويهش ويبش ويداعب ويلاعب، فلم تكن حياته نمطًا واحدًا لا يعرف