إلى أن خرجت العساكر مع السلطان الملك الناصر لمحاربة الأمير تيمورلنك، فالتمس منه الأمير يشبُك [1] أن يسير مع العسكر فأجابه وسار معهم إلى دمشق، فقدّر الله انهزام السلطان والأمراء من تيمور إلى القاهرة، فتأخّر بدمشق، وعندما أحاط تيمورلنك بها بادر إلى لقائه، وتدلّى من السور بحبل، وخالط العساكر وطلب منهم أن يوصلوه بالأمير تيمور، فساروا به واستأذنوا عليه، فأذن له وأمر بإحضاره، فأعجبه حُسْنُ هيئته وجمال صورته، وخلبه بعذوبة منطقه، ودهاه بكثرة مغالاته في إطرائه، فأجلسه واستدناه وشكر له سعيه، وأخذ في تأنيسه ومؤانسته ومؤاكلته، وأكثر من سؤاله عن أحواله وعن ولده. ثم ذاكره بأخبار الملوك الماضية والقرون الخالية، فدُهِشَ لكثرة استحضاره وخامر عقله ما راقه من مسامرته، فأمر بإنزاله معه في الخِيَمِ، وكلّفه إملاء كتاب يتضمن أحوال البلاد والأماكن التي بين مصر وبلاد الغرب، وما هنالك من المفاوز والمياه وقبائل العرب ومقدار المسافات فلم (يكن) بأسرع من أن كتب له ديوانا في ذلك، [2] بديع مثاله، بعيد مناله، فزاد إعجابه به، وحلّ منه مجلاّ لم
(1) يشبك الشعباني: تولّى منصب خزدار في عهد الملك برقوق وعُيِّن مربّيا (لاَلاَّ) للطفل فرج الذي أصبح بعد وفاة والده سلطانا وهو في العاشرة من عمره (10 شوّال 801/ 20 جوان 1399) ، ثم أصبح يشبك داودار، أي كاتب حربي في عهد فرج ومن مهامه إبلاغ الرسائل عن السلطان وتقديم الشكاوي وعامة الأمور إليه. ثم أُسندت له مهام الإشراف على تنفيذ أوامر السلطان الجديد، أي في الحقيقة إن مصدر الأوامر هو يشبك والتنفيذ يتمّ باسم فرج. [ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تحقيق محمد فهيم شلتوت، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1970، ج 12، ص 173، أحداث سنة 801.] كما يقول ابن إيّاس: « ... والسلطان صغير ليس له حرمة ولا كلمة ... والسلطان بينهم مثل العصفور في يدي النّسور.» [بدائع الزهور، 1/ 397 و 400.] وأنظر: المقريزي، السلوك، 5/ 451.
(2) ماذا فعل تيمورلنك بتأليف ابن خلدون؟ هل اطّلع عليه فعلا؟ وما مصير هذا التأليف الذي لم يصلنا؟ وما كان فحواه؟ هل هنالك أمل في الحصول على النسخة التي تمت ترجمتها إلى المغولية حسبما أشار إلى ذلك صاحب التأليف؟ أين يمكن البحث عن هذه النسخة؟ بدمشق أم بسمرقند؟ ثم لماذا لم يحتفظ ابن خلدون بنسخة من تأليفه؟ ويعترف ابن خلدون، بأنّه كتب التأليف المذكور في أيام قليلة: « ... واشتغلت بما طلب مني في وصف بلاد المغرب، فكتبته في أيام قليلة، ورفعته إليه فأخذه من يدي، وأمر موقّعه بترجمته إلى اللسان المغلي.» (7/ 735) « ... وكتبت له ... في مختصر وجيز يكون قدر اثنتي عشرة من الكراريس المنصّفة القطع ... » (7/ 732 - 740) . تحتوي الكرّاس الواحدة في العادة على خمس ورقات مطويّة فتضم عشر ورقات أي 20 صفحة فيصبح مجموع الصفحات التي كتبها ابن خلدون 240 صفحة تحتوي كل صفحة بين 8 و 12 سطرا، أي يكون مجموع الأسطر بين 1920 و 2880 سطرا، ويكون حجم التأليف بالتالي معتبرا ويبرهن بالتالي عن قدرة ابن خلدون على الكتابة دون مراجع.