يحله من تيمور أحد، بحيث أنه أجلسه فوق ابنه، وقال له مرّة في الملأ: أنت عيني.
فلما استولى تيمور على مدينة دمشق أذِن له في المسير إلى القاهرة وزوّده، وأطلق من الأسْرِ جماعة من وجوه كتّاب مصر وأعيانها على أنهم خدمه، فقدم إلى القاهرة، وتلقّاه أهل الدولة بالكرامة، وأقام بداره، إلى أن استُدعيَ وأُعيد إلى القضاء مرّة ثالثة يوم السبت ثالث عشري شهر رمضان سنة ثلاث وثماني مئة، ثم صُرِفَ في رابع عشري شهر رجب سنة أربع وثماني مئة، ثم أعيد يوم الخميس لأربع بقين من ذي الحجة هذه السنة، ثم صُرِفَ يوم الاثنين سابع شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وثماني مئة، ثم أعيد في شعبان سنة سبع وثماني مئة، صُرف في سادس عشري ذي القعدة منها، ثم أعيد في شعبان سنة ثمان وثماني مئة، فلم تطُل مدته، ومات وهو قاضٍ موتا وحِيٌّا [1] من غير تقدم مرض سوى أنه ثار به ما كان يعتريه من وجع الأعصاب في يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة ثمان وثماني مئة، أحوج ما كان إلى الموت، ودفن بمقابر الصوفيّة خارج باب النصر، وله من العمر ست وسبعون سنة وخمسة وعشرون يوما، رحمه الله، فماذا نفعني الله به؟
شعره: قال في الإحاطة: وأما نثره وسلطانيته السجعيّة ومرسله فخلج بلاغة، ورياض فنون، ومعادن إبداع، يفرغ عنها يراعه الحُرُّ في شبيهة البداءات بالخواتم في نداوة الحروف، وقُرْبَ العهد بجرية المِداد، ونفوذ أمر القريحة، واسترسال الطبع. وأما نظمه فنهض بهذا العهد قُدُما في ميدان الشعر ونقده باعتبار أساليبه، فانثال عليه جوّه، وهان عليه صعبه، فأتى منه بكلّ غريبة، منها قوله يخاطب به السلطان ملك الغرب ليلة الميلاد الكريم من عام اثنين وستين وسبع مئة من قصيدة طويلة:
1 ... أسرفنَ في هَجْري وفي تعذيبي ... • ... وأطَلْنَ موْقِفَ عَبْرَتي ونَحِيبي
2 ... وأبينَ يوم البَيْنِ وَقْفَة ساعة ... • ... لوداع مشغوف الفؤاد كئيب
3 ... لله عهد الظاعنين وغادروا ... • ... قلبي رهين صبابة ووجيب
4 ... غَرَّبَت ركائبهم ودمعي سافح ... • ... فشرقت بعدهم بماء غروب
5 ... يا ناقعًا بالعَتْبِ غُلَّة شوقهم ... • ... رُحْماك في عذلي وفي تأنيبي
6 ... يستعذب الصَبّ الملام وإنني ... • ... ماء المُلامِ لديَّ غير شريب
7 ... ما هاجني طرَبٌ ولا اعتاد الجَوى ... • ... لولا تذكُّر منزل وحبيب
8 ... أهفو إلى الأطلال كانت مَطْلَعًا ... • ... للبدر منهم أو كِناس رَبِيب
9 ... عبثت بها أيدي البِلى وتردّدت ... • ... في عِطْفِها للدهر أي خطوب
10 ... تَبلى معاهدها وإنّ عُهودها ... • ... لَيُجِدُّها وصفي وحُسْن نسيبي
11 ... وإذا الدّيار تعرّضت لمتيّم ... • ... هزّته ذكراها إلى التَّشْبيب
(1) أي موتا سريعا.