فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 114

البلد إليه وتطارحهم عليه. إلى أن توجّه إلى الحجِّ في عام تسعة وثمانين فقضى النُّسك وعاد إلى القاهرة، فما زال في داره على الغاية من محبّة الناس والوفور من العزّ، إلى أن عنّ للسلطان أن يعيده إلى منصب القضاء من غير أن يعينه أحد، وكان قد سار إلى الحنبوشيّة وقْفَ المدرسة القمحيّة، فسرّح البريد لإحضاره، فلمّا قدِم قلّده قضاء القضاة يوم الخميس النصف من شهر رمضان سنة إحدى وثماني مئة، واتفق موت السلطان في النصف من شوّال فأقرّه الأمير الكبير أيتَمُش، فلمّا سار الملك الناصر فرج لمحاربة الأمير تَنَم نائب الشام، سافر ودخل دمشق، وحكم بها [1] ثم عاد مع السلطان، وما زال إلى أن صُرِفَ يوم الخميس ثاني عشر المحرّم سنة ثلاث وثماني مئة، فلزم داره

(1) إقامة ابن خلدون بالشام وبالتحديد بدمشق تمّت خلال ثلاث فترات متباعدة نسبيّا: فترة أولى امتدّت بين شهري رجب وشوّال 793 (جوان/سبتمبر 1391) وهي الفترة الأطول. وفترة ثانية وهي موضوع الإشارة هنا والتي يتحدث عنها المقريزي حصريّا. وعندما نعود إلى الصراع القائم بين الأمير تنّم والسلطان فرج الذي غادر القاهرة نحو الشام وقضائه على هذه الفتنة، نجد أن الأحداث قد تمّت بين 4 رجب 802 (01 مارس 1400) وهو تاريخ خروج السلطان من القاهرة و 26 رمضان من نفس السنة (21 ماي 1400) وهو تاريخ عودته إلى مصر حسبما ورد لدى العسقلاني في كتابه إنباء الغمر بأبناء العمر. [إنباء الغمر بأبناء العمر، مج 2، 4/ 124. [أحداث سنة 802] ] فتاريخ دخول السلطان فرج وجماعته إلى دمشق كان يوم 02 شعبان (28 مارس) وتاريخ خروجه منها بتاريخ 4 رمضان (29 أفريل) . فنستنتج بالتالي أن ابن خلدون قد قضّى حوالي الشهر بدمشق رفقة السلطان، وهو في منصب القضاء، ولا بدّ من أنه قد استغلّ إقامته هذه في البحث والمطالعة إضافة إلى مهامه الرسميّة مثلما أشار إلى ذلك المقريزي.

لا أحد من الباحثين في حياة ابن خلدون وفكره تطرّق إلى الإقامة الأولى، ولا أحد تطرّق إلى الإقامة الثانية باستثناء والتر جوزيف فيشل الذي لمّح إلى إمكانيّة حدوثها في رجب سنة 802 (مارس 1400) وذلك في تحقيقه للفصول الثلاثة الأخيرة من"التعريف"، والذي صدر ضمن كتابه لقاء ابن خلدون بتيمورلنك. [فيشل والتر جوزيف، نشاط ابن خلدون في مصر المملوكيّة، دراسات إسلاميّة، دار الأندلس، بيروت، 1960، ص 192، وكتابه لقاء ابن خلدون لتيمورلنك، ص 99.] وتبعه في ذلك عَرَضًا، الأب جوزيف كيوك في المقال الصدر له سنة 1982 بنشرية «دراسات إسلاميّة مسيحيّة.» [أنظر: CUOQ, J, La religion et les religions (Judaisme & Christianisme) selon Ibn Khaldoun, Islamochristiana, N°8, 1982, p 127] حيث يقول:

والغريب في الأمر أن ابن خلدون لم يتحدّث عن إقامته الأولى والثانية وزيارته لدمشق و لا نجد أثرا لذلك إلاّ خلال زيارته"الثالثة"التي تمّت بمناسبة خروجه مع جيش الماليك لمواجهة تيمورلنك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت