فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 114

أهل وولد في مرعى تلك النعمة، وألقى عصا التسيار. ولما قدم السلطان إلى تونس استدناه لمجالسته، وناجاه في خلوته، فغصّ بطانته بذلك، وأفاضوا في السعايات فلم تنجح، وثار لمساعدتهم على عتوّهم وبغيهم شيخ الفتيا إذ ذاك بتونس محمد بن عرفة غيرة وحسدا، فاتفقوا على التأليب والسعاية والسلطان معرض عنهم، وقد كلّفه بالإكباب على تكملة كتاب «عنوان العبر» فأكمله، ورفع إلى الخزانة السلطانيّة منه نسخة. وأخذ السعاة في كل نوع من الإغراء والسعاية عند السلطان، وأخذ هو في الاعتمال في الترحّل إلى المشرق، وتوسّل إلى السلطان في الإذن بذلك لقضاء فرض الحج حتى أذن، فسار من تونس راكبا لِثَبَجِ البحر منصف شعبان سنة أربع وثمانين.

فوصل ثغر الإسكندرية يوم عيد الفطر، ودخل إلى القاهرة ذي القعدة سنة أربع وثمانين وسبع مائة، فانثال عليه طلاّب العلم وكان عددهم حينئذ موفورا، وبصدورهم من إجلاله وتعظيمه شيئا كبيرا، فالتمسوا منه الإفادة، فأجابهم إلى ذلك وانتصب للتدريس بالجامع الأزهر، وأقرأ كتاب ابن الحاجب في الأصول، فاغتبط الناس به وسرّهم قدومه وراقهم ما لديه من المعارف والعلوم، ثم اتصلوا بالأمير ألطونبغا الجوباني فأُعجب به إعجابا كثيرا، وتخصّص بصحبته، فجمع بينه وبين السلطان الملك الظاهر برقوق، فأبرّ لقاءه وآنسه، ووفّر جرايته وإقطاعه، وولاّه تدريس المدرسة القمحيّة بجوار جامع عمرو بن العاص من مدينة مصر، وهي أجلّ مدارس الفقهاء المالكيّة بديار مصر. وأقبل الناس على اختلاف طبقاتهم يهرعون إلى بابه، ويترامون على صحبته ويتنافسون في الاجتماع به، إلى أن قلّده السلطان قضاء القضاة المالكيّة بديار مصر في يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ست وثمانين، فقام بذلك قياما محمودا، ودفع رسائل الأمراء، وردّ شفاعات الأكابر، وأمضى أحكامه كما يريد، وتثبّت في سماع البيّنات، وفحص عن عدالة المنتصبين لتحمّل الشهادات، وعاقب طائفة منهم على تزوير ظهر له، وأوجع في عقابهم، ونكّل بهم وشهرهم، ومنع عِدّةٌ من تحمّل الشهادة، فكثر الحمل عليه وامتلأت صدور الكثير من الحقد والغيظ، فنالوا من عِرضِه، وقبّحوا القول فيه بسوء الأحدوثة عنه، واختلقوا الإفك وقول الزور، يبثّونه في الناس، ويدسّون إلى السلطان التظلّم منه، والشكوى في خُلُوِّهِ من حسن التأتّي، وقلّة المعرفة بمصطلح الناس وعوائد مصر، وكثرة العسف وشدّة البطش، والوقوف على رأي نفسه وعدم الانقياد، وكثرة الإباء عن الرجوع إلى المُداراة، وأشدّهم في ذلك رفقاؤه من القضاة وشيعتهم، فأصبح الجميع عليه ألباٌ، ونصبوا بأسرهم له عداوة وحربا، وصاروا لمن ينادي بالتأفّف منه والنكير عليه عونا، وغدوا في الشناعة والجهر بالسوء من القول فيه أمة، فانطلقت الألسنة وارتفع الصّخب، وثارت الخصوم من الشهود الممنوعين ومن جرت عليهم أحكامه، يغرون أرباب الدولة، ويتنادون بالتظلّم وتبشيع القول وتشنيع الحكايات، حتى وصل إلى السلطان طرف من ذلك، فصرفه السلطان يوم السبت سابع جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وسبع مئة، [1] فأقام في منزله على حال رفعة وعزٍّ من ترداد وجوه

(1) القضيّة الرئيسيّة التي تورّط فيها ابن خلدون والتي كانت سببا في عزله عن القضاء لأوّل مرّة وبقائه حوالي 14 سنة على تلك الحالة من العزل ليست بالهيّنة ولا يمكن تجاهلها. يشير ابن خلدون إلى هذه القضيّة إشارة غامضة بالتعريف قائلا: «فتنادوا بالتظلم عند السلطان، فجمع القضاة وأهل الفتيا في مجلس جعل للنظر في ذلك، فخلصت تلك الحكومة من الباطل خلوص الإبريز، وتبين أمرهم للسلطان» ثم يعقّب بعد بضعة أسطر: «فكثر الشّغب عليّ من كل جانب، وأظلم الجو بيني وبين أهل الدولة، ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد، وصلوا من المغرب في السفين فأصابها قاصف من الريح فغرقت، وذهب الموجود والسّكن والمولود، فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد، واعتزمت على الخروج عن المنصب» (7/ 656) . من خلال هذا العرض، يريد ابن خلدون إقناع القارئ بأنه لم يُعزل عن القضاء مرغما بل كان هو نفسه راغبا في أن يُخلّى سبيله «من هذه العهدة التي لم أطق حملها» (7/ 656) ، في حين أن الوقائع التي ذكرها ابن حجر العسقلاني مخالفة لسرد ابن خلدون اختلافا تامّا وتشير إلى أن القاضي ابن خلدون قد عمد إلى تدليس وثيقة ضدّ منافسه الركراكيي زعم فيها أن هذا الأخير قد كتب عريضة مناوئة للسلطان برقوق الذي اكتشف التدليس فكان العزل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت