وأي امرئ يأتي بعذر وحجة
وما جزعي من أن أموت وإنني
ولكن خلفي صبية قد تركتهم
كأني أرهم حين أنعى إليهم
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة
يعز على الأوس بن خزرج موقف
وكم قائل لا يبعد الله روحه
يلاحظني من حيثما أتلفت
وأي امرئ مما قضى الله يفلت
وسيف المنايا بين عينيه مصلت
لأعلم أن الموت شيء مؤقت
وأكبادهم من حسرة تتفتت
وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا
أذود الردى عنهم وإن مت موتوا
يسل عليّ السيف فيه وأسكت
وأخر جذلان يسر ويشمت
قال أبو إسحاق: فتبسم المعتصم، وقال: يا جميل، قد وهبتك للصبية وغفرت لك الصبوة، ثم أمر بفك قيوده، وخلع عليه وعقد له على شاطئ الفرات [1] .
ومن خلال هذه النصوص يتبين لنا أن أهم فنون الأدب الإسلامي منذ عهد النبوة وما وليه من عصور الأدب إلى عصر النهضة الحديثة، لا يتجاوز الكلام المنثور والمنظوم في إطار ألوان أدبية معينة من خطبة، ووصية، وعهد، وميثاق، ورسالة، وقصة، وتوقيعات، وشعر.
أما المسرحية فلون شاع وكثر في العصر الحديث، والقصة ويتبع المسرحية ألوان أخرى كالأقصوصة والخاطرة والأسطورة والمقالة، والقصة القصيرة.
ولم تعرف هذه الألوان الأخيرة وبخاصة فن المسرحية في حياة العرب الأدبية، ولم تنشأ أثناء نقلتهم الإسلامية إلا في العصر الحديث، غير أن القصة بمفهومها الأدبي وفوارقها الفنية التي تميزها عن الخطابة كانت من أهم فنون الأدب بعامة، والأدب الإسلامي بخاصة ويكفي - دليلا - على ذلك اشتمال الأدب النبوي على طائفة من القصص مما سنتحدث عنه بالتفصيل في موضع أخر من هذه الدراسة.
وإذا كانت الخطابة والقصة، والشعر هي أرحب ميدان لاستيعاب أغراض الأدب الإسلامي وموضوعاته فسنقصر الدراسة على هذه الألوان الثلاثة مبتدئين بفن الخطابة فهي من أخطر فنون الأدب الإسلامي في حياة المسلمين منذ فجر الدعوة الإسلامية على يد محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإلى اليوم، مشيرين - باختصار شديد - إلى بعض الألوان الأدبية الأخرى: كالرسائل والوصايا والعهود.
وإذا كانت الخطابة العربية أسبق في الظهور من الشعر جاهلية وإسلاما فما أهم وبلاغتها، وما الخصائص الفنية التي تميزت بها في ألفاظها وجملها وتراكيبها ومعانيها وبلاغتها، وما قيمتها الفنية
(1) المصدر السابق للحصري ص 829 وما بعدها.