الصفحة 8 من 153

والأحوال. وثمة خصوصية أخرى تميز بها كلام ذلك الأديب: إنها أسلوب الحقيقة. وهذا يعني أن الصور الأدبية تكتسب رواءها من أسلوب الحقيقة بقدر ما تكتسبها من أسلوب المجاز، ويعود تحقق هذه الخصوصية إلى قدرة الأديب على تطويع كلماته وفق معانيها.

فانظر إلى ما جرى من وفد الشام بين يدي المنصور، واستمع إلى كلام الحارث بن عبدالرحمن الغفاري أحد الوافدين. فلسوف يتبين لك قدرة الأديب على تخير الكلمات لما يمكن أن تحمله من معنى. يقول الحارث: (( يا أمير المؤمنين: إنا لسنا وفد مباهاة، ولكنا وفد توبة استخفت حليمنا، فنحن بما قدمنا معترفون، وبما سلف منا معتذرون، فإن تعاقبنا فبها أجرمنا، وإن تهف عنا فطالما أحسنت إلى من أساء: قال أبو إسحاق: فقال له المنصور: أنت خطيب القوم ورد عليه ضياعه بالغوطة ) ) [1] .

هذه العبارات - شفعت لصاحبها ولمستمعيها من وفد الشام. شفعت لهم عند السلطان بطيب ألفاظها وتوفيق معانيها، وسحر بيانها، الذي أخذ بمجامع القلوب، فصار إلى قبول توبة التائبين أنصف في حق المعتذرين.

(( قال أبو إسحاق: ومن المواقف التي أنصفت صاحبها موقف تميم ابن جميل عند الخليفة المعتصم، حدث أن قام تميم بن جميل بشاطئ الفرات واجتمع إليه كثير من الأعراب فعظم أمره، وبعد ذكره، فكتب إلى المعتصم إلى مالك بن طوق في النهوض إليه، فتبدد جمعه، وظفر به موثقا إلى المعتصم. فقال أحد رجال الخليفة: ما رأيت رجلا عاين الموت فما هاله ولا شغله عما كان يجب عليه أن يفعله مثل تميم بن جميل، فإنه لما مثل بين يدي المعتصم وأحضر السيف والنطع ووقف بينهما تأمله المعتصم - وكان جميلا وسيما - فأحب أن يعلم أين لسانه من منظره، فقال له: تكلم يا تميم. فقال تميم للخليفة: أما إذ أذنت يا أمير المؤمنين فأنا أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين يا أمير المؤمنين جبر الله بك صدع الدين، ولمَّ بك شعث المسلمين، وأوضح بك سبل الحق، وأخمد بك فتنة الباطل إن الذنوب تخرس الألسن الفصيحة، وتثقل الأفئدة الصحيحة، ولقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجة، وساء الظن، فلم يبق إلا عفوك أو انتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما مني وأسرعهما إلي أشبههما بك وأولاهما بكرمك ثم أنشد:

أرى الموت بين السيف والنطع كامنا

وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي

(1) المصدر السابق للحصري ص 828.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت