الصفحة 7 من 153

فتأمل هل تجد في هذه الأبيات من قصيدة كعب لفظا غريبا، أو حرفا متنافرا، أو معنى غامضا.

إن هذه الأبيات جميعها تدل - في إطارها ومضمونها - على سعة قاموس لغة الشاعر، وخصوصا شاعرا مثل كعب بن زهير ذلك الصحابي الذي تخرج في مدرسة المسلمين، مدرسة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف مدرسة الرعيل الأول من المسلمين، ومن حذا حذوهم من أدباء ومفكري الإسلام إلى اليوم.

إن هذه الخصائص، التي تجمع بين سهولة اللفظ وعذوبته، وفخامته وقوته وبين وضوح المعنى وعمقه، خصائص تصدق على الشعر الذي نبت وأينع في رياض الفكر الإسلامي.

وقامت عليه دراسات أدبية ونقدية قديمة وحديثة أولئك الأدباء، فكر أدبي زخرت به أمهات المصادر من مثل كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني والبيان والتبيين للجاحظ، والعقد الفريد لابن عبد ربه، ويتيمة الدهر للثعالبي وزهر الآداب للحصري والمثل السائر لابن الأثير، وصبح الأعشى في صناعة الإنشاء للقلقشندي، والطراز للعلوي. وكان ذلك الشعر قبلة النحاة في شواهدهم، ومحط أنظار البلغاء في كلامهم والبلاغيين في بحوثهم، واللغويين في أثارهم. والنقاد في آرائهم.

وإذا كان الاستدلال يغري بذكر الكثير من عطاء أولئك الأدباء فهذه عبارات من جيد المنظوم والمنثور من كلام العرب أوردها الحصري في كتابه:"زهر الآداب وثمر الألباب".

قال أبو إسحاق:

أهدى الكندي إلى بعض إخوانه سيفا صقيلا فكتب إليه:

(( الحمد لله الذي خصك بمنافع كمنافع ما أهديت، وجعلك تهتز للمكارم اهتزاز الصارم وتمضى في الأمور مضاء حدة المأثور، وتصون عرضك بالأرفاد، كما تصان السيوف بالأغماد، ويطرد ماء الحياة في صفحات خدك المشوف كما يشف الرونق في صفائح السيوف، وتصقل شرفك بالعطيات كما تصقل متون المشرفيات" [1] ."

هذه العبارات التي ساقها أبو إسحاق الحصري من كلام أحد الأدباء. تتميز بخصائص فنية ثلاث:

أولها: تراوح الفقرات بين الطول والقصر وثانيها اعتماد هذا الكتاب على أسلوب السجع الذي تبدو عليه مسحة من تكلف وثالثها أن طوع هذا الكاتب مباني كلماته لمعاني الغرض الذي يقصد إليه، وهذا من الخصائص الفنية التي يكاد كلام العرب أن لا يحيد عنها في أغلب الظروف

(1) زهر الآداب وثمر الألباب للحصري جـ 3 ص 828 تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد شرح زكي مبارك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت