الصفحة 6 من 153

لصورة هذه الصحراء الواسعة الموحشة فهناك حياة الصمت الرهيب الذي لا يقطعه إلا دلاج في السير، وهناك الشعاب المتناثرة التي لا يسكنها راجل أو راحل.

وبجانب هذه الصورة تجد صورة الحياة تعج بالحركة الدائبة التي تمتع النظر فهناك الظباء والطيور وأعداد من حيوانات البر تسرح وتمرح وترتع في مواطن الكلأ ورياض السهل والوعر.

به العين والآرام يمشين خلفه ... وبيض نعام قيضه يتقلع

وشبيه قول كعب في هذا البيت به العين والآرام يمشين خلفه بقول زهير بن أبي سلمى:

بها العين والآرام يمشين خلفه ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم

ومعلوم أنه يبقى لزهير فضل السبق إلى هذه الصورة النابضة بالحياة والحركة.

يقول الدكتور/ زكريا صيام. حول الصور التي رسمها كعب في قصيدته تلك:"ولا أدري كيف تسنى لشاعر المدينة حيث الحضارة والاستقرار أن يأتي بصور بدوية. بل موغلة في البداوة والغرابة لكنه خيال الشعراء الذي لا يحد أفقه شيء" [1] .

ويمكننا أن نأخذ من ملاحظة الدكتور/ صيام معنى قدرة الشاعر المسلم على الإبداع في التصوير على حسب ما تقع عليه حاسته، وعلى حسب ما يراه في ذهنه من مواقف ومشاهد.

فكعب في هذه القصيدة يقوى لفظه في رسم الصورة التي تتطلب منزع القوة كهول الصحراء وسعتها ووحشتها. وحين ترتبط شعوره بمشاهد الحضارة واللين نراه سهل اللفظ وواضح المعنى. حتى لكأن القارئ يحس أن مطلع القصيدة لون خاص بعيد عن وسطها وأخرها فهل تحس بصلابة أو غرابة أو وحشية.

في قوله من هذه القصيدة:

وفينا رسول الله نتبع أمره

نشاوره فيها نريد وكلنا

وقال رسول الله لما بدوا لنا

وكونوا كمن يشري الحياة تقربا

إذا قال فينا القول لا نتطلع

إذا ما دعا - حتما - نطيع ونسمع

ذروا عنكم هول المنيات واطمعوا

إلى ملك يحيا لديه ويرجع

(1) الأدب العربي في العصر الجاهلي وصدر الإسلام ص 143 د/ زكريا عبدالرحمن صيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت