أخرى كفتور العاطفة، ونضوب الصورة، وضيق الخيال، والحكم العدل فيما ذهب إليه هؤلاء النقاد أن نطل على شيء من قصيدة كعب فهي البرهان على خلاف ما يرمي إليه هؤلاء.
يقول رضي الله عنه وأرضاه:
ألا هل أتى غسان عنا ودونهم ... من الأرض خرق سيره متنعنع
صحار وأعلام كان قتامها ... من البعد نقع هامد متقطع
مجا لدنا عن ديننا كل فخمة ... مذربة فيها القوانس تلمع
ولكن ببدر سائلوا من لقيتم ... من الناس والأنباء بالغيب تنفع
وإنا بأرض الخوف لو كان أهلها ... سوانا لقد أجلوا بليل فاقشعوا
إذا جاء منا راكب كان قوله ... اعدوا لما يزجى ابن حرب ويجمع
نجالد لا تبقى علينا قبيلة ... من الناس إلا أن يهابوا ويفظعوا
وقال رسول الله لما بدوا لنا ... ذروا عنكم هول المنيات وأطمعوا
فلما تلاقينا ودارت بنا الرحى ... وليس لأمر حمه الله مدفع
ضربناهم حتى تركنا سراتهم ... كأنهم بالقاع خشب مصرع
ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... على كل من يحمي الذمار ويمنع
بنو الحرب لا نعيا بشيء نقوله ... ولا نحن مما جرت الحرب نجزع [1]
م
إلى أخر ما قال كعب رضي الله عنه في هذه الرائعة الحماسية التي تقارب أبياتها خمسين بيتا كل بيت يعبر عن معنى سام شريف تتلاحق فيه الصور حتى كأن السامع يشاهد المعركة الإسلامية عيانا ولنقف على شيء من هذه الصور في عدد من أبيات هذه القصيدة.
في مطلع القصيدة تناول الشاعر تصوير المسافات التي قطعها الجيش الإسلامي انتصارًا لدين الإسلام ونشره والدعوة إليه.
وقد أبدع كعب في تصوير الأرض الموحشة التي قطعها الجيش المجاهد"فهي في شعره مصيدة لأقوى الجمال فلا يقدر على اجتيازها أي مسافر مهما بلغت راحلته من الصبر والتمرس على الأسفار، موحشة لا أنيس فيها ولا رفيق."
ولكن سرعان ما يرسم في تعبيره صورة أخرى لهذه الأرض الموحشة. إنها مرتع خصب للظباء الخالصة البياض ولأسراب النعام والطيور البرية، فقد جمع/ كعب في تصويره الشاعري بين نقيضين
(1) ديوان كعب بن مالك 222 طبعة بغداد.