الصفحة 10 من 153

في معايير النقد الأدبي؟ ذلك ما سندرسه في الصفحات التالية، وقبل أن نتحدث عن هذه القضايا يحسن أن نلم بشيء عن تاريخ الخطابة عند العرب قبل الإسلام، وما كان لهذا الفن من أثر في حياتهم الاجتماعية والأدبية.

كانت الدوافع والأغراض لفن الخطابة عند الجاهليين تكاد لا تتجاوز الموضوعات التالية: (( النعرة والحمية الجاهلية، وشن الغارة مدافعة عن النفس والمال والعرض، أو للتحريض على السطو والسلب. ومن أهم موضوعاتها عندهم: المفاخرة بالشعر والنسب والحسب، وقوة العصبية إلى جانب عدد من الخصال الحميدة: كالشجاعة والكرم والنجدة والإيثار وحماية الجار وإباء الضيم ) ) [1] . وقد سارت الخطابة عند العرب في جاهليتهم سير الشعر في كثير من الأغراض والموضوعات، غير أن عنايتهم في أول الأمر كانت خاصة بالشعر دون الخطابة لصعوبة حفظ النثر وسهولة حفظ المنظوم ولأن الخطابة فن قضت به طبيعة حياتهم المعيشية، ودعت إليه حالتهم الاجتماعية فتفتقت بها ألسنتهم صيانة لعزها، وحفظا لمجدها، وتخليدا لمآثرها، وتأييدا لمفاخرها [2] .

وعلى الرغم من قدم عنايتهم بالشعر دون الخطابة فإنه قد نزل مستوى الشعر عندهم وعلا شأن الخطابة لما اتجه الشعراء إلى موضوعات تقلل من قيمتهم حيث استعملوا الشعر في ثلب الأنساب والطعن في الحرمات، وهتك الأعراض وإثارة الضغائن، واتخذوه وسيلة للعيش والتكسب.

من أجل ذلك اتجه الخطباء بخطبهم في ذلك العصر إلى موضوعات ذات قيم إنسانية رفيعة بخلاف ما كان عليه الشعر، فاستعملت الخطابة في تكريم الأشراف وتأبين العظماء، والصلح بين الفريقين.

ومن أهم الخصائص الفنية للخطب الجاهلية شدة الأسر وفخامة اللفظ، وإحكام الصنعة. المحافظة على أصالة اللغة، والتراوح بين الطول والقصر على حسب المقامات التي تساق فيها الخطبة وليس المقام هنا مقام تفصيل لدراسة الخطابة الجاهلية إذا الدراسة خاصة بموضوعات الأدب الإسلامي الذي من أصوله جيد المنظوم والمنثور من كلام العرب.

غير أن هناك تشابها في موضوعات الخطابة عند العرب في جاهليتهم وفي إسلامهم منذ فجر الدعوة الإسلامية وإلى اليوم، فهناك من الموضوعات التي جمعت بين القيم الإنسانية والقيم التعبيرية والإرشاد. ي العصرين الجاهلي والإسلامي ما يلي:

(1) الخطابة لعلي محفوظ ص 18 ط الرابعة.

(2) المصدر السابق ص 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت