وعندما بدت الدهشة على وجه زوجته صرخ محتدا: أيتها الجاهلة. لقد استطاع عثمان بن عفان رضي الله عنه أن يجهز جيشا كاملا من ماله في صدر الإسلام. وما عند الله خير وأبقى والدنيا كلها لا تساوى عند الله جناح بعوضة، لقد شغلتك الدنيا عن كل معنى نبيل .. إنك لم تفكري في شيء سوى أولادك والمال والخنوع للحياة الدنيا .. يا للمهزلة ومنذ متى كنت تعترضين مشيئتي" [1] ."
وهكذا يمضي الكاتب في تصوير المشاهد وعرضها بأسلوب قصصي رائع مستلهم من الفكر الإسلامي.
فيصور موقف الزوج والزوجة حتى ينتهي الأمر بالإصرار على الجهاد. ويصور احتدام المعارك بين المجاهدين وأعدائهم مبينا غاية المسلم من الجهاد وأنها في إحدى الحسنين (النصر أو الشهادة) . ومن هنا يصور الكاتب مشاهد المجاهدين ما بين قتيل وجريح مضرج بالدماء، ويصور لوعات الأقارب وأحزانهم وصبرهم وبلائهم. وكل ذلك لم يثن عزيمة أحد من هؤلاء أو هؤلاء ليقينهم أنهم أحياء مهما ماتوا. وليقينهم بعظم الأجر والمثوبة نصروا أو هزموا.
ثم يضفى الكاتب على بقية فصول القصة من سحر بيانه ما يعالج به عددا من قضايا الإسلام والمسلمين في حقبة ضعف فيها المدد وقوي فيها الأعداء، ويلح في كل فكرة يسوقها على أن قوة المجاهد المسلم لا تكون إلا بالإيمان لتكون كلمة الله هي العليا .. وأن كل شيء هالك إلا وجهه.
وبعد فلنتخير بعض الجزئيات التي أدرجها الكاتب في تلك القصة التي سكب قوالبها في أربعة وثلاثين فصلا لنتبين أن كل فصل يعبر عن مشهد تتنوع جزئياته من الأطر القصصية ذات الصبغة الفنية ما بين مشاهد درامية في أسلوب حواري متكرر في عدد من أبطال القصة الذين يسوقون أحداثها من خلال واقع مجتمع مسلم كادت تذهب ريحه وتنفلت عراه، وتقضي عليه زمرة الكفر والإلحاد لولا أن الله سلم وانتصر للحق فهو الحق وحده لا شريك له، وهو وحده لا قوة ولا حول ولا طول لغيره.
وفيما أوردنا من نصوص الفصل السادس من فصول هذه القصة يلح الكاتب على فكرة إسلامية تربط الناس بخالقهم كلما حزبهم أمر يقول: على لسان أحد أبطال القصة في هذا الفصل وكان تاجرا سماه: أحمد المدبولي مخاطبا بطلا أخر من أبطال القصة (البشتيلي) :
(رجال إبراهيم بك استولوا على كل ما عندي من بارود دون أن يدفعوا ثمنا، إن السلب والنهب لا يفارقهم حتى في أحرج الأوقات وأدقها، أسرع البشيلي قائلا: وماذا في ذلك؟؟ يرد
(1) المصدر السابق ص 47 وما بعدها.