وخبرتهم الحربية فوق التصور.
واستعداداتهم لا مثيل لها.
دعوا الأوهام والحماس جانبا؛ وفكروا بعقل.
أعرف أن كلامي قد يضايقكم ولعله يوصمني بالجبن والخيانة.
ليكن فأنا رجل أحكم عقلي، وقد علمتني التجارة أشياء كثيرة [1] .
وبعد أن ينتقل الكاتب الكيلاني بأحداث هذا الفصل ضمن أسلوب قصصي فني تحكم إطاره عبارات حوارية بين أبطال مشاهده ما بين استفهام وتعجب وعرض وإقناع ومشادة. حتى إذا شكل عقدة الفصل اتجه إلى أسلوب الحل الناجع.
ومن هنا يدرك القارئ والمتلقي قدرة الكاتب على استكناه الغاية من القصة الإسلامية.
وذلك بربطها إلى التصور الإسلامي وشدها إلى محوره. حيث تبرز نقطة الحل من نقطة الانطلاق إلى الجهاد الإسلامي فيدور المشهد الأخير من هذا الفصل في ظلال الأسلوب التالي من قوله:
توتر الجو في منزل الحاج"مصطفى"بصورة ملفتة للنظر، لقد كانت زوجته أطوع له من بناته لم تسفه له رأيا أو تعترض على أمر من الأمور إن زوجها هو سيدها، وهي تؤمن بنانه يعرف أكثر مما تعرف وخبرته في الحياة أكبر من خبرتها. ثم انه - أولا وأخيرا - رجل، هل تستطيع أن تنسى وضعها البديهي المعروف كأنثى في منزله التابع المطيع.
لقد خرجت عن هذا الوضع المألوف فجأة، وأقامت الدنيا وأقعدتها وخاصة عندما أعادت النظر في تصرفات زوجها لقد رفض رأيها في الهجرة قبل أن تقترب ساعات الخطر لم تستطيع أن تلح عليه كثيرا، لأنها تعلم الكثير من صلابة تشبثه وعدم تنازله بسهولة عن رأى ارتضاه.
لكنها فوجئت به يجند ابنه الوحيد، ويدسه ضمن القوات المجاهدة. بل في الصفوف الأولى تحت أمرة (إبراهيم بك) الذي عسكر بجيشه عند بولاق.
ومعنى ذلك أن فرصة النجاة لولدها أصبحت نادرة الحدوث ولم يكتف الزوج بذلك بل دس نفسه ضمن القوات البحرية على إحدى السفن الراسية في الميناء.
وأكبر من ذلك انه لم يرحم ابنته (زينب) فقد اختطف خطيبها ودفعه إلى الميدان. بل واشترى شحنة هائلة من البارود والسلاح بمبلغ كبير من ماله ووزعه على القوات المجاهدة، وتخلص من معظم المخزون لديه من البضائع بأبخس الأثمان كي يمول بها المحاربين.
(1) المصدر السابق ص 44 وما بعدها.