الصفحة 71 من 153

المناصب .. وخلف تلك القصور الشامخة وحدائقها الشائقة تقبع البيوت الصغيرة الكثيرة، حيث يعيش أبناء الطبقة الدنيا، ومنهم أصحاب الحرف الصغيرة، والباعة المتجولون، وصغار تجار التجزئة، وفقهاء"الكتاتيب"، والخدم والخفراء وغيرهم.

والحركة في بولاق دائبة لا تكل، وأصداء أصوات الباعة تملأ الطرقات، والنسوة يسرن متشحات بالملابس السوداء، على وجوههن خمر شفافة، تزيدهن جاذبية ورقة وعدد من الأطفال الحفاة، يتخبطون ويسرعون هنا وهناك، ومن آن لآخر تظهر عربة مزركشة محلاة بالمعادن الثمينة، تجرها الجياد المطهمة يسبقها اثنان أو ثلاثة من العبيد المهرولين وبداخلها مملوك كبير المقام، أو تركي من علية القوم، ترتسم على وجوههم سيماء الكبرياء التي لا حد لها، وقد يخترق الشارع فارس من رجال مراد بك أو إبراهيم بك - قادة المماليك وحكام مصر - في رعونة وطيش دون أن يخشى طيشا أو عقابا.

وفي مكان يبعد كثيرا عن ترسانة بولاق الشهيرة، كان يوجد منزل الحاج"مصطفى البشتيلي"أحد كبار التجار، لم يكن منزله قصرا منيفا كباقي القصور، ولم يكن متواضعا كبيوت الطبقة الكادحة وإنما كان في مكانة بين الاثنين.

(ويستمر الكاتب في سرد أوصاف منزل الحاج) "مصطفى الشتيلي"أحد شخصيات وأبطال هذه القصة الروائية الإسلامية حتى يلج إلى الغاية والدور الذي يؤديه هذا البطل قائلا:

"وفي حجرة الاستقبال الرئيسية جلس الحاج مصطفى، وحوله عدد من الأصدقاء فيهم الشيخ"علي الجنجيهي"مقرئ القرآن وصاحب الصوت الرخيم وفيهم العالم المتبحر الشيخ"إبراهيم سلامة"و"أحمد المدبولي"صاحب الخبرة في صناعة البارود والسلاح والحاج"غمري"التاجر الصديق وغيرهم من الشيوخ والشبان [1] ".

ثم يمضي الكاتب في وصف الجلسة التي جمعت هؤلاء الأشخاص على هيئة معينة من حيث وصف المكان والزمان وما عليه كل شخص من السمات والأوصاف التي تتلائم مع الشخصية والجودة في أداء مشاهد هذا الفصل فمثلا الحاج مصطفى البشتيلي شيخ وقور مطرق دائم التفكير يعتمل في ذهنه وتتردد في خواطره وتلامس شفاف نفسه"انفعالات شتى لا يعرف من خلالها كيف يتلقى الأمر ولا كيف يزنه الوزن السليم، وكل شيء في هذا العالم من حوله مضطرب متناقض"يشعر وكأن روحه سجينة مقهورة لا تستطيع التحليق والانطلاق لسحق الرؤوس العفنةـ وتحطيم كل القيم السخيفة: وكلما هم بمقاومة أعداء الدين والفضيلة والمجتمع المسلم وقفت في

(1) نابليون في الأزهر ص 5 وما بعدها، د/ نجيب الكيلاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت