خلال الكلمة الأدبية المعبرة، وبخاصة كلمات القصة النبوية، فهي قطعة نثرية بديعة"تحوي رائع التجارب في موضوعات متنوعة تعطي ذخيرة حية تمد الأدب والأدباء وتفتح لهم آفاقًا واسعة بعيدة المدى في أعماق التاريخ والحضارة والوجود الإنساني والكوني في الماضي والمستقبل، وتتيح لهم بكل ذلك أن يضيفوا إلى تجاربهم تجارب أخرى مما يعطي الأعمال الأدبية والقصصية بشكل خاص [1] "لونا فنيا بديعا في الإطار والمضمون. ولا غرو في ذلك لأنه كلام الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو إلهام وإبداع لا يخلولق أبد الدهر.
وإذا تأمل الناظر في عنصر الخيال في الأدب النبوي الخالد فإنه سيجد من الخصائص الفنية لهذا العنصر مثل ما تحمله العاطفة من حيث العمق والبعد والتحليق في آفاق الكلمة الأدبية المعبرة من غير جنوح إلى التهويمات والتخيلات الكاذبة التي يمليها تكلف الصنعة من خلال زخرف القول والبعد في أغوار المدلول المعنوي للفظة باستعمال شواذ اللغة الداعية إلى التقعير والتكلف.
ولذلك قل في كلامه صلى الله عليه وسلم استعمال اللون المجازي ما لم تدع الحاجة إليه.
ومن هنا فقد عريت قصته صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة من بني إسرائيل قد عريت من المجازات اللفظية التي كثيرا ما يجنح إليها الأدباء للاستعانة بها في رسم الصورة الأدبية حتى ليكاد الكثير منهم أن يغرق في هذا الأسلوب إلى أن يفضى بعبارته إلى التعمية والألغاز وتلك عاقبة التفريط.
بل أن الخيال في القصة النبوية كثيرا ما يتحقق على الصفة التي ترضى الذوق الأدبي وتحلق بالنفس الإنسانية من خلال ما يتسع له المعنى النبوي من غير أن يكون للألفاظ تأثير في رسم أبعاد هذا الخيال كما في هذه القصة: قصة الثلاثة من بني إسرائيل. ويكاد هذا الأسلوب البديع أن يكون مما أختص به كلامه صلى الله عليه وسلم.
أما الفكرة: فحسب الناظر أن يتملاها في كل عبارة من كلامه سواء في الحديث المروى بالسند عن حكم من الأحكام، أو في الخطبة، أو في الرسالة أو في العهود فإنها تتجلى للناظر في سهولة ويسر حتى يدرك الغرض من الكلام النبوي ويعرف المراد منه في أول لفظه أو جملة أو عبارة من النص الذي يقرأه.
وأما الصورة الأدبية في كلامه صلى الله عليه وسلم فإنها الصورة ذات الأبعاد التي يحدد إطارها ويحكمها إلهام النبوة وتفجر البلاغة والفصاحة إطنابا وإيجازا وحسبنا قوله صلى الله عليه وسلم:"واختصر لي الكلام اختصارا".
(1) القصص في الحديث النبوي ص 399.