استكناه المشابهات والمفارقات بين الأشياء والتعلق بالمجهول الذي يعيش وراء الحس، والقدرة على تلوين هذا المجهول والاستمداد منه، واقتباس الظلال من أطرافه.
ولذلك نجد من الأدباء من هو قوي النفاذ رحب المدى بعيد مهوى التخيل، ومنهم ضيق الأفق محدود الساحة ... ومنهم من يستطيع أن يلف المنطقة الواسعة بالنظرة الواسعة ويجاوزها إلى ما هو أرحب منها، ومنهم من يقصر جهده على الحيز الضيق في نظرة عميقة. ليس لها جوانب تصلها بنظرات أخرى يتفرع عنها غطاء جديد لمعنى جديد ونمط جديد، وهم في ذلك كله متأثرون بما يرون في بيئاتهم التي تفتحت في نورها أعينهم وما من شك أن البيئة لها أكبر التأثير في تنمية الخيال وإغنائه [1] "."
وإذا أردنا أن ندرس هذا العنصر الأدبي - أعني عنصر الخيال - وأردنا تطبيق ما أورده النقاد حوله متخذين نص هذه القصة النبوية مقياسا لصحة آرائهم، فإن هذا الصنيع قد يودي بصاحبه إلى مزالق يضل في متاهاتها عن الصواب لأننا إزاء كلام يسمو على كلام البشر ولا يخضع لتهويمات الأدباء وأخيلتهم.
وعلى الرغم من ذلك فإن قصة المسئولية والجزاء ذلك النص الذي بين أيدينا قد سبح في آفاق رحبة من الخيال الواسع الخصب المجنح. فقد انتقل بأحداث هذه القصة وشخصياتها من حقيقة الأرض إلى حقيقة السماء وصور جميع مشاهدها بريشة الأديب المبدع حتى لكأن الناظر والقارئ يعايش هذه المشاهد ويحسها متحركة حية تخالج روحه وتمس شغاف قلبه وتذهب بنفسه كل مذهب.
ولكنه خيال عبقري مصون من فلتات النفس وتكلف الطبع والمجازات اللغوية القابعة في أساليب المبالغة والإيغال والغلو.
ولذلك جاء كل مشهد وكل حدث وكل فكرة في إطار هذه القصة مفصلا على حسب ما يستوعبه ذهن السامع والقارئ من غير إيجاز مخل أو إسهاب ممل أو إفراط في نقل الصورة الأدبية بواسطة الألفاظ التي تسم المتكلم بها بشيء من الغموض أو التعقيد أو التكلف لأن الغاية الأولى من الأدب النبوي في جميع أجناسه الإفهام والترغيب والترهيب وبسط محاسن الإسلام والرقي بالأديب والأدب إلى معاني الكمال وتنشدان الفضيلة في كل شيء.
(1) مناهج الدراسة الأدبية في الأدب العربي ص 207 د/ شكري فيصل، الطبعة الرابعة، 1978 م.