الصفحة 36 من 153

وحسبنا في ذلك أدب محمد صلى الله عليه وسلم وأدب صحابته وأدب الأمة من الرعيل الأول والسلف ومن حذا حذوهم في تقويم العمل الأدبي من الخلف أولئك الذين يقفون عند اللفظة الواحدة ويشبعون الكلام عليها حتى تستقر في نسق الكلام مؤثرة أو تنفر منه نابية مستكرهة.

وحسبنا في ذلك بالبيان والتبيين للجاحظ، والصناعتين لأبى هلال العسكري، وسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي وآثار عبدالقاهر الجرجاني، والمثل الثائر لابن الأثير، وزهر الآداب للحصري، ويتيمة الدهر للثعالبي والعقد الفريد لابن عبد ربه وغيرها مما لا يحصى عددا.

وإذا كان من الخصائص الفنية التي تضفي على النص الأدبي مما يجعل النقاد وصفا للألفاظ كالقوة والوضوح والجمال فان هذه النعوت من أجل الخصائص الفنية لخطبة عمر بن عبدالعزيز.

(( والوضوح ألزم صفات الأسلوب الأدبي، وأولاها بالرعاية لأنه يحقق الغاية الأساسية وهى الإفهام .. ويكون ذلك بإيقاظ العقول الخامدة، وبعث الشعور والحماسة، وإثارة العواطف في نفوس المتلقين وبذلك يهيب النص الأدبي للأفكار حياة أقوى من حياتها العقلية لتكون ممتعة مؤثرة فهذه الحياة أو هذه الخصوصية هي التي تسمى القوة. والقوة صفة نفسية تنبع أول أمرها من نفس الأديب الذي يجب أن يكون متأثرا منفعلا إذا شاء من قراءة حماسة وقبولا وانفعالا. والقوة بذلك تعني صفة العاطفة والإرادة والأخلاق قبل أن تكون صفة الأسلوب ) ) [1] .

وإذا فحصنا كلام عمر رحمه الله ووضعناه على محك هذا المقياس النقدي أعنى مقياس قوة الألفاظ ووضوحها وجمالها فسنلقى عددا من الفقرات ذات الطابع الفني الجميل الذي يحمل تلك الخصائص مثل قوله:

"فإنكم لم تخلقوا عبثًا".

"وإن لكم معادًا ينزل الله للحكم فيكم، والفصل بينكم".

"ألم تعلموا أنه لا يأمن غدًا إلا من حذر اليوم وخاف".

"وباع نافدا بباق".

"وقليلًا بكثير".

وخوفًا بأمان"."

إن هذه الألفاظ في هذه الجمل والتراكيب تشكل أسلوبا بيانيا فريدا رائعا حيث لا غرابة ولا تعقيد وإنما سلاسة وعذوبة ووضوح وجزالة وجمال.

(1) الأسلوب لأحمد الشايب ص 164 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت