وفوق أنها بهذه النعوت فهي خدمة للمعنى حيث تناسق رصف الجملة والتركيب في عدد من الفقر التي تتراوح بين الطول والقصر مع ما ازدان بها نظما من تلك المقابلات الفنية العجيبة بين قوله:
نافدًا بباق، قليلا بكثير، خوفا بأمان، الهالكين والباقين، غاديا ورائحا إلى الله، غني عما ترك فقير إلى ما قدم.
وإذا كان من الخصائص الفنية التي تجلي النص الأدبي، وتغشيه بالقبول وتمنحه سمة التأثير والخلود، مما يجرى على لسان قائله من سوق الحكم الصائبة وضرب الأمثال السائرة، والاقتباس اللطيف من آيات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف فإن في كلام عمر رحمه الله من هذه الخصائص ما جعل خطبته تلك في أعلى الطبقة العليا من مدارج البيان بعد القرآن الكريم والحديث الشريف ومن جملة هذه النعوت التي تميزت بها كلمات هذا النص قوله:
(( وحرم جنة عرضها السماوات والأرض ) )من آية قرآنية"، فهو مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم )) هذه الجمل المتساوقة من حديث نبوي شريف، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مات الرجل صحبه ثلاثة أهله وماله وعمله فيرجع اثنان ويبقى الثالث: يرجع أهله وماله ويبقى عمله [1] ."
ومن الحكم الصائبة قوله (لا يأمن غدا إلا من حذر اليوم ) ) .
وإذا كانت تلك الخصائص إنما هي في الألفاظ فماذا عن المعاني، إن الأدب في إطار التصور الإسلامي هو إلهام الكلمة الغائبة المعبرة التي تملك التأثير في سرد عدد من الموضوعات التي ترسم أبعاد الأدب وصلته بالعقيدة ذلك الموضوع الذي تبين فيه مهمة الأدب ووظيفة الأديب ومهمته في الحياة، وما يجب أن تحمله رسالة الأدب والأدباء من كلمة صادقة طيبة وفكرة هادفة سليمة ورأي سديد يعالج الأدواء التي يشكو منها المجتمع المسلم، ومعلوم أن الخطوة الأولى في الأعمال الأدبية هي ما يستجمع الأديب شاعرا أو كاتبا أو قاصا أو خطيبا ما يدور في ذهنه ويعتمل في صدره من أفكار سيبنى عليها موضوعه، وهذه الأفكار - في أكثر الأحيان - تكون عامة يكاد أن يشترك فيها كثير من الناس، لكنهم متفاوتون في المعاني التي تشرح هذه الأفكار وتجليها، ولذلك كانت المعاني الأدبية هي مجال التفاضل بين كاتب وكاتب، وشاعر وشاعر، وخطيب وخطيب، وأحر بهذا التفاضل في مضامين الأدب الإسلامي كثرة ووضوحا ونبلا وشرفاـ وبخاصة في هذا النص الخطابي من كلام عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله.
(1) الحديث في البخاري.