وإذا كان من خصائص الكلام الأدبي ما نوه عنه أبو هلال في هذه النصوص من حيث إحراز الفضيلة لمعالي الأمور من خلال الكلمة فأين نضع خطبة الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز في نصها لفظًا ومعنى؟
قبل أن نتبين شيئا من الخصائص الفنية في هذه القطعة الأدبية البديعية يحسن أن نشير إلى ما يتناقله النقاد العرب - قديما وحديثا عن الأسس الخطابية التي وطد دعائمها - في نظر هؤلاء النقاد رائد الفكر اليوناني (( أرسطو ) )حيث جعل منها عددًا من الأسس الهامة في إنشاء الخطبة لفظا ومعنى وجعل هذه الأسس النقدية في تقويم هذا اللون من الأدب الذي عزا جودته إلى اعتماد الخطبة على ما يلي:
1 -المقولات وتعنى الأدوات التعبيرية التي يؤدي بها المعنى.
2 -التفسير: أى بسط الفكرة وشرحها للمتلقين.
3 -تحليل القياس: ويجرى ذلك في تطبيق فكرة على فكرة مما يجرى في الأعرف لدى كل مجتمع.
4 -البرهان ويعنى سطوع الحجة وقيام الدليل العقلي على ما يرمي إليه الخطيب.
5 -الجدل [1] ويعني ذلك قوة المحاكمة والعرض والبرهنة على ما يختلف عليه من معان تفرض نظاما أو تدعوا إلى إسقاط نظام آخر وإيجاد بديل عنه.
إن كل هذه الأسس التي كثر ذكرها في آثار (( أرسطو ) )وبخاصة كتابه (( الخطابة ) )وكتابه (( الشعر ) )قد أصبحت مجال بحث ونظر لعدد من علماء الإسلام ومفكريه على الرغم من غناء الفكر الإسلامي ومدده الفياض النابع من هدي القرآن الكريم والسنة الشريفة وكلام الأنبياء والأدباء من مفكري الإسلام قديما وحديثا.
وإنما أوردت هذا الكلام لكي تتضح الرؤية الأدبية في كلام عمر بن عبدالعزيز في ذلك الطراز العالي من الأدب الإسلامي الذي لم يكن بحاجة إلى الأخذ بآراء (( أرسطو ) )في تقويم العبارة الأدبية.
وإذا كان في الفكر اليوناني من أسس دعائم النص الأدبي في تقويمه كأرسطو وغيره فإن في أدباء الإسلام من أربى على أسس أرسطو وانطلق بالرؤية الأدبية نحو الجودة والإبداع.
(1) دائرة المعارف الإسلامية جـ 2 ص 589 إعداد/ إبراهيم خورشيد/ أحمد الشنتاوى د/ عبدالحميد يونس.