فهو مرتهن بعمله، غني عما ترك فقير، إلى ما قدم، فاتقوا الله قبل انقضاء مواقيته، ونزول الموت بكم، أما إني أقول هذا وما أعلم أن عند أحد من الذنوب أكثر مما عندي فأستغفر الله وأتوب إليه (( ثم رفع طرف رداءه على وجهه فبكى وأبكى من حوله ) ) [1] . وبعد فإن من خصائص هذه الخطبة النادرة؟
ليس غريبا أن يحظى الأدب في العهد الأموي ببدائع من جيد المنظوم والمنثور سواء من كلام الطبقة العامة أو الخاصة، ذلك لأن العهد الأموي اقرب العهود إلى عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين علما وأدبا وخلقا واجتماعا فلا بد أن يكون أدباء ذلك العصر سلائل مدرسة النبوة بل مدرسة القرآن الكريم وبخاصة إذا كان الأديب حاكما يسوس المجتمع المسلم ويحكمه بشرع لا ينزع عن رأي أو كلمة إلا بميزان عدل في جميع الحقوق وإذا كان للتأثير بالرأي والفعل مكانته فإن للكلمة قيمتها في التأثير والإمتاع إذا صدرت من أديب حاكم عادل كعمر بن عبدالعزيز رحمه الله.
والفيصل في ذلك ما أورده أبو هلال العسكري في وصف اللسان المبين وتأثير الكلمة بواسطته إذا قال:
(( قال بعض الحكماء لابنه يا بني: اللسان أداة يظهر بها البيان، وشاهد يخبر عن الضمير، وحاكم يفصل به الخطاب، وناطق يراد به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، ومعز يرد الأحزان، وواعظ ينهى عن القبيح، ومزين يدعو إلى الحسن، وزارع يحرث المودة، وحاصد يذهب بالضغين .. ألا ترى أن الله تعالى رفع درجة اللسان بأن أنطقه بالتوحيد وليس شيء من الجوارح ينطق به غيره. (( قال أبو هلال في معرض كلامه على المعاني الأدبية السامية المؤداة باللسان المبين الذي يحتج به في تفصيل الكلام على الصمت ) )- ومن أجود ما احتج به للكلام ما أخبرنا به أبو احمد قال حدثنا أبو تمام قال: تذكرنا الكلام في مجلس سعيد بن عبدالعزيز التنوخي وحسنه والصمت ونبله فقال سعيد: (( ليس النجم كالقمر إنك إنما تمدح السكوت بالكلام، ولا تمدح الكلام بالسكوت. وما أنبا عن شيء فهو اكبر منه. قال وذكر الكلام في مجلس سليمان بن عبدالملك فذمه أهل المجلس فقال سليمان:
(( كلا إن من تكلم فأحسن قدر أن يسكت فيحسن، وليس كل من سكت فأحسن قدر أن يتكلم فيحسن ا - هـ ) ) [2] .
(1) عيون الأخبار لابن قتيبة ص 246 جـ 2 المؤسسة المصرية العامة.
(2) ديوان المعاني لأبي هلال العسكري جـ 1 ص 149 تصحيح الدكتور/ كرنكو/ مكتبة القدس/ القاهرة.