الصفحة 33 من 153

نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة، واصفي رونقا من أولئك، وارصف مبنى واعدل تثقيفا بما استفادوه من الكلام العالي الطبقة" [1] ."

وبتحقيق هذه الخصائص في مبنى الخطب الإسلامية ومعانيها برز المسلمون في هذا الفن الأدبي وتسلطوا بأسلوبهم البياني الفريد على النفوس الجافية فألانوها، وعلى القلوب القاسية فعملوا على تهذيبها ورقتها، وظلت الحال طوال العهد النبوي والأموي والصدر الأول من الدولة العباسية على تلك السمات والخصائص حتى داخل هذا اللون الأدبي شيء من عوامل الضعف بسبب اختلاط العرب بالأعاجم وبخاصة من ولي إمرة الجيش الإسلامي وعمالة الولايات والمواسم. مما لا مجال للحديث عنه في هذه الدراسة لاختصاصها بالبحث عن مواطن الإجادة والإبداع في طائفة من بدائع الأدب الإسلامي على نحو ما ذكرناه، وعلى نحو ما سنذكره فيما تبقى من موضوعات.

وإذا كانت هذه السمات والخصائص قد تميزت بها هذه الألوان الأدبية من خطبة ورسالة ووصية وعهد طوال تلك الفترات من تاريخ الأدب الإسلامي الذي استشهدنا له بعدد من النصوص - كما مر - فإن مما يغري بالإفاضة في الحديث عن هذه الألوان ما قيده تاريخ الأدب من نصوص رائعة لعدد من الأنبياء والخطباء فلنتلمس مواطن الإجادة والإبداع في نصوص أخرى من العهد الأموي والعباسي وعصر النهضة الحديثة.

ولسنا بمستطيعين حصر هذه النصوص والكلام عليها لكثرتها وكثرة روادها من شَداة الأدب الإسلامي ولذلك سنكتفي بإيراد نصين أولهما للخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - وثانيهما للخليفة العباسي: (( أبى العباس عبدالله بن هارون الرشيد ) ).

فمن خطبة لعمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - مما أورده ابن قتيبة في (( عيون الأخبار ) )قال: (( حدثني أبو سهل عن إسحاق بن سليمان عن شعيب ابن صفوان عن رجل من آل سعيد بن العاص قال: كان آخر خطبة خطب بها عمر بن عبدالعزيز رحمه الله أن حمد الله وأثنى عليه ثم قال:

(( أما بعد فإنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادا ينزل الله للحكم فيكم والفصل بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله وحرم جنة عرضها السماوات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر اليوم وخاف، وباع نافدا بباق، وقليلا بكثير، وخوفًا بأمان. ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسنكون من بعدكم للباقين كذلك، حتى نرد إلى خير الوارثين، ثم أنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه حتى تغيبوه في صدع من الأرض في بطن صدع غير موسد ولا ممهد، قد فارق الأحباب، وباشر التراب، وواجه الحساب،

(1) مقدمة ابن خلدون 359 دار ومكتبة الهلال. بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت