الصفحة 32 من 153

كلهم خطباء مصاقع )) [1] يهزون أعواد المنابر بفصاحتهم التي لا تجارى، وبلاغتهم التي تبلغ من القلوب أعماقها، ومن النفوس أغوارها. في طراز من ذلك الكلام الذي يسبق معناه لفظه من غير إسفاف، ومن غير تكلف.

وإذا كانت هذه الموضوعات التي مر ذكرها في الكلام على خصائص الخطب المحمدية فان هذه الموضوعات من أجل المعاني السامية الشريفة التي تناولها خطباء الإسلام في كل عصر ومصر، ومنهم عمر بن الخطاب في وصيته تلك، ولا يملك الناظر في وصية عمر، وفي المعاني التي ساقها في كلامه عبر فقرات هذه الوصية إلا أن يقول: إن هذا النص الكريم - في معانيه الراقية - قد استمد من هدي الإسلام: كتاب الله وسنة رسوله. وعلى الرغم من تعدد الفقرات والجمل والتراكيب التي أديت بها هذه المعاني فإن الناظر لا يجد معنى مستغلقا ولا لغزا غامضا ولا معقدًا وإنما هي معاني من وحى الفطرة وتأثر القرآن والحديث الشريف، وقد استطاع عمر - رضي الله عنه - أن يجمع في طريقة الأداء بين ما يتطلبه النص الأدبي من حسن اللفظ وصفائه وجزالته وفخامته ورقته وروعة المعنى وتأثيره وعمقه وبعده عن التعقيد.

والشاهد على ذلك ما يقوله ابن خلدون في معرض كلامه على الخطابة الإسلامية عند المسلمين منذ عهد محمد صلى الله عليه وسلم إلى العهد الأموي وإلى الصدر الأول من العهد العباسي. فقد ذكر (( إن كلام الإسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة من كلام الجاهلين في منشورهم ومنظومهم - قال: فإننا نجد شعر حسان بن ثابت، وعمر بن أبى ربيعة، والحطيئة، وجريرًا، والفرزدق، ونصيب، وغيلان ذي الرمة والأحوص وبشار، وأمثالهم، ثم كلام السلف من العرب في الدولة الأموية، وصدر الدولة العباسية، في ترسلهم، وخطبهم، ومحاروتهم للملوك ارفع طبقة في البلاغة من شعر النابغة وعنترة، وعمرو بن كلثوم وزهير وعلقمة بن عبده وطرفة بن العبد ومن كلام الجاهلية في منثورهم ومحاورتهم، والطبع السليم والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة والسبب في ذلك إن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في الحديث الشريف بل وفي القرآن الكريم الذي أعجز البشر عن الإتيان بمثله، لكونها ولجت في قلوبهم، ونشأت على أساليبها نفوسهم، ونهضت طباعهم، وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية ممن لم يسمع هذه الطبقة ولا نشأ عليها فكان كلامهم في

(1) فن الخطابة وإعداد الخطيب للشيخ/ على محفوظ ص 24 دار الاعتصام. القاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت