الصفحة 31 من 153

"ولا تجعل المال دولة بين الأغنياء منهم"فهي من قول الله تعالى:" {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [1] ."

وكقوله رضي الله عنه:

"واجعل الناس سواء عندك"فهو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلمون سواسية كأسنان المشط"وقوله صلى الله عليه وسلم: المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم".

وانظر إلى تلك الدرة من كلام عمر من قوله:"أن تأخذ من حواشي أموال أغنيائهم فترد على فقرائهم"فهي من وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه قاضيا ومعلما إذ قال له: وأن تأخذ من أموال أغنيائهم صدقة فتردها على فقرائهم. وكلتا الوصيتين من قول لله تبارك وتعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [2] .

إنه القرآن بتعبيره المعجز قد استحوذ على قلوب المسلمين يوم أن أسلموا وقبل أن يسلموا.

ومنهم عمر بن الخطاب الذي شرح الله صدره للإسلام بآيات سمعها في بيت أخته وأسلم أهله إنه القرآن فلقد بهرت كلماته وآياته عقول العرب وقلوبهم. وقدمت لهم مثلا أعلى في جمالية التعبير ما كان يخطر لهم على بال .. وكيف يخطر لهم على بال وهو من عطاء الله الذي لو كان البحر مدادا لكلماته والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلماته" [3] ."

وهذا كله عن الخصائص الفنية لأسلوب وصية عمر رضي الله عنه فيما يتعلق بالألفاظ، فكيف المعاني. إن ميدانها لأرحب في استكناه الخصائص الفنية الرفيعة لصدورها من شخصية فذة تتلمذت على شخصية فذة شخصية محمدا المعلم الأول للرعيل الأول من المسلمين وللمسلمين جميعا. محمد الذي كانت الخطابة شعار دعوته إلى دين الله مبتدءا بها خطيبا غير شاعر - خطيبا منذ نزل عليه قول الله تبارك وتعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) } ولذلك جعل صلى الله عليه وسلم هذا اللون من الأدب"شعار كل إمام يعتلي المنبر في الجمعة والعيدين، وموسم الحج الأكبر، وعند أخذ العدة للجهاد وفى كل أمر جامع لنشر فضيلة أو نهي عن رزيلة، أو إعلان نصر، أو تأكيد وصية عامة أو خاصة، ولذلك كان أمراء جنده، وقواد سراياه وخلفاؤه من بعده"

(1) سورة الحشر الأية 7.

(2) سورة التوبة الأية 103.

(3) محاولات جديدة في النقد الإسلامي د/ عماد الدين خليل ص 21، 22 ط الأولى مؤسسة الرسالة بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت