الصفحة 30 من 153

إلى الدراسة الفنية التطبيقية، لاسيما وقد تجاوزنا المرحلة المنهجية لإحلال الأدب الإسلامي مكانته اللائقة به ليكون سراجا وهاجا يضئ للأدباء طريقهم في عطائهم الأدبي الغائي النبيل الهادف.

وقبل أن نتوغل في دراسة عدد من النصوص. نعود إلى وصيه الخليفة الراشد - عمر بن الخطاب رضي الله عنه - لنتبين شيئا من خصائصها الفنية على قدر ما يفتح الله به ويعين عليه.

إن هذه القطعة الأدبية من كلام عمر رضي الله عنه، حكم صائبة، وآراء سديدة، وبند إسلامي جمع وأوعى تجارب الشخصية الإسلامية المثالية التي تأدبت بآداب الإسلام قلبا وقالبا. فألفاظ هذه الوصية ألفاظ ذات نبرات إسلامية مؤثرة كلها يقين وإيمان لصدورها من قلب عاطفة مشبوبة صادقة وقودها الإيمان. فإنه على الرغم من طول نفسها، وتعدد عباراتها لم تحمل أي جملة فيها لفظا نشازا عابه تلقف لمفرده غريبة أو وحشية أو تعقيد لفظي أو بعد عن حدود الفصاحة والبلاغة، وابعد من ذلك في مدارج التعبير الأدبي والفن البياني الرائع. إن هذا النص يشتمل على ما يقرب من ثلاثمائة لفظة لا ترى في واحدة منها ما يمكن أن يعيبه ناقد. وما ذلك إلا فيض الخاطر وعفو البديهة فعمر رضي الله عنه وأرضاه واحد ممن تخرج في مدرسة القرآن الكريم ومدرسة الحديث الشريف فوق ما حباه الله من قوة العارضة وشدة الشكيمة، ورباطة الجأش، وكبر العقل، وصدق العاطفة مع صدق اليقين ويكفى في قوة ذلك العطاء الأدبي وصدقه ووضوحه، وضوح صاحبه فهو أول من رفع التكبير معلنا إسلامه جهرًا لا سرًا.

وإذا كان من خصائص النثر الفني الصادر من هدي الإسلام وبخاصة ما كان منه من قبيل الخطب أو الوصايا أن يحمل طابعا متميزا يتبين في (إثارة العقول، وتنبيه الأذهان، وحملها على الامتثال والإذعان، وفى التأثير في الأرواح، وجذب القلوب، وفي استمالة النفوس بإثارة العواطف [1] فإن هذه الخصائص مجتمعه قد تحققت في كلام عمر رضي الله عنه في هذه الوصية البديعة. ولكنها خصائص تعبيرية ذات قيم إنسانية رفيعة. جاءت في إطارها ومضمونها من وحى البديهة. دون تنسيق وإعداد مسبق.

وقد زان عرضها وأقسام فقراتها وأفكارها طائفة من الجمل المقتبسة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة كقوله في التعبير عن بعض الفقرات.

"وإذا أدوا ما عليهم للمؤمنين طوعا أو عن يد وهم صاغرون"فهي من قول الله تبارك وتعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) } [2] .

(1) فن الخطابة وإعداد الخطيب للشيخ على محفوظ ص 33 دار الاعتصام.

(2) سورة التوبة الأية 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت