الصفحة 27 من 153

حول ولا قوة إلا بالله، إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما اللهم صل على عبدك ورسولك محمد أفضل ما صليت على أحد من خلقك، وزكنا بالصلاة عليه وألحقنا به، واحشرنا في زمرته، وأوردنا حوضه، اللهم أعنا على طاعتك، وانصرنا على عدوك )) [1] .

إن هذه القطعة النادرة من خطب أبي بكر رضي الله عنه لمن أجود الخطب الإسلامية بعامة، ومن أجود خطبه بخاصة، وذلك لما اشتملت عليه من المعاني الشريفة السامية في أسلوب جزل رصين فقد راعى رضي الله عنه وأرضاه أسلوب هذا النص حيث أفرغه في قالب يناسبه، لأن (( المعاني الجزلة لا بد لها من ألفاظ وجمل وتراكيب في غاية الفخامة، والمعاني الرقيقة المستملحة لا بد لها من ألفاظ تناسبها رقة وسلاسة ليحصل التشاكل والتناسق بين النوعين، وتكون المعاني مع الألفاظ كالعروس المجلوة في الثوب القشيب .. مع إعطاء كل موضوع حقه من شدة العبارة ولينها في النطق، ليكون ذلك أدل على المعنى ) ) [2] .

إن هذه الخصائص الفنية مجتمعة قد تحققت في نص هذه الخطبة وكان الباعث عليها ما استقر في قلب قائلها من الإيمان بالله وحده والإيمان بمحمد ورسالته التي هي الإسلام دون ما سواه.

ولا أحد يجهل مكانة أبي بكر الصديق في الجاهلية من حيث تحليه - رضي الله عنه - بالقيم الإنسانية الرفيعة التي جملتها سلامة منطقه وسمو بلاغته فكان لزاما أن تأخذ هذه البلاغة مكانتها في كلامه تأثرا بهدي الإسلام من خلال الهدي القرآني والكلام النبوي الشريف، ولذلك لا نجد في ألفاظ خطبته هذه ما يكدر صفو المعنى من لفظ وحشي غريب أو ذي تنافر أو بعد عن حد الفصاحة.

وإنما هي ألفاظ سهلة سلسة منتقاة، ولا نجد في المعاني التي عبر عنها معنى مستغلقا أو ساقطا مرذولا، أو عاميًا مسفا، أو غامضا مستكرها.

ولا نجد أثرا للصنعة المتكلفة، فقد عريت أجزاء هذه الخطبة من زخرف القول حتى بان في معانيها تلاحق الفقرات من غير عناء، لأنها من قبيل الوعظ والإرشاد في طابع إسلامي رصين النسج محكم العبارة يتخلله درر من آيات الله البينات، لإقامة الحجة والبرهان على المعاني التي سيقت في ثنايا النص.

(1) العقد الفريد ص 128، 129 جـ 4 لابن عبد ربه. تحقيق محمد سعيد العريان.

(2) الخطابة للشيخ علي محفوظ ص 52 الطبعة الرابعة المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت