وتكاد تكون خطب الخلفاء والحكام والولاة طوال صدر الإسلام والعهد الأموي،، وصدر من العهد العباسي من هذا اللون المشبع بالدليل والاقتباس وسوق الحكمة والمثل والبعد عن تكاليف الصنعة والزخرف البديعي. ونلحظ عنصر التأثير كامنا في عبارات الخطيب على نحو ما ورد في جمل خطبة أبي بكر - رضي الله عنه - غير أن هذا التأثير في هذه الخطبة ليس وليد عاطفة مثارة وإنما وليد عبارة محكمة مؤيدة بصدق الكلمة ووضوح الدليل.
ولذلك جاء (( أسلوب العرض متماسكا متلاحم الأقطار لم يضعفه التفكك وتخلخل الفكرة .. جاء مرتبا غير مضطرب، واضحا بعيدًا عن اللبس والاحتمال قاطع الدلالة على الغرض، صادقًا لا يتسرب إليه الريب ) ) [1] .
وإذا كان هذا اللون من الخطابة الإسلامية يغري بالمضي في إيراد شواهد أخرى فإن من بديع الأدب الإسلامي في هذا السبيل عدد من خطب الخلفاء والقادة الإسلاميين الذين حفظت لهم كتب التراجم والسير، ومصادر الأدب عدد من الخطب التي لا تجار. فلنقف على هذا النص البديع من كلام الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إحدى وصاياه التي هي أشبه بالخطبة لما تضمنته من مواد ونظم يعتمد عليها في إقامة شعائر الدين وأحكامه وفق ما حدده القرآن الكريم وبسطته السنة النبوية الشريفة.
يقول - رضي الله عنه - للخليفة من بعده:
(( أوصيك بتقوى الله لا شريك له، وأوصيك بالمهاجرين الأولين خيرا: أن تعرف لهم سابقتهم، وأوصيك بالأنصار خيرا، فاقبل من محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم، وأوصيك بأهل الأمصار خيرا، فإنهم درء العدو، وجباة الأموال والفيء، لا تحمل فيئهم إلا عن فضل منهم، وأوصيك بأهل البادية خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، إن تأخذ من حواشي أموال أغنيائهم فترد على فقرائهم، وأوصيك بأهل الذمة خيرا: أن تقاتل من ورائهم، ولا تكلفهم فوق طاقتهم، إذا أدوا ما عليهم للمؤمنين طوعا أو عن يد وهم صاغرون.
وأوصيك بتقوى الله وشدة الحذر منه، ومخافة مقته، إن يطلع منك على ريبة.
وأوصيك أن تخشى الله في الناس، ولا تخشى الناس في الله.
وأوصيك بالعدل في الرعية، والتفرغ لحوائجهم وثغورهم. ولا تؤثر غنيهم على فقيرهم، فإن ذلك بإذن الله - سلامة لقلبك، وحطًا لوزرك، وخيرًا في عاقبة أمرك، حتى تفضي من ذلك إلى من يعرف سريرتك ويحول بينك وبين قلبك.
(1) الخطب والمواعظ لمحمد عبدالغني حسن ص 44. طبعة دار المعارف بمصر 1955 م.