الصفحة 25 من 153

البلغاء من كل صاحب صنعة، وفن مجلوب، بل هذه هي اللازمة التي رددها - صلى الله عليه وسلم - عبر هذه الخطبة، وهى لازمة عظيمة الدلالة في مقامها ومعناها، لأنها لخصت حياة كاملة في ألفاظ معدودات، فما كانت حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - كلها بعملها وقولها وحركتها وسكونها إلا حياة تبليغ وبلاغ، وما كان لها من فاصلة خاتمة أبلغ من قوله - صلى الله عليه وسلم - ألا هل بلغت اللهم اشهد [1] .

وإذا كان الموضوع هو الغرض الأساس الذي من أجله يقصد العمل الأدبي فتلقى الخطبة، أو تنشأ الرسالة، أو تنظم القصيدة، وإذا كانت الأعمال الأدبية في بيئة ما إنما هي صدى دقيق لما يتردد في هذه البيئة من أحداث وما يجري فيها من أمور فلابد أن يسلك الأديب طريقة فذة في التعبير تملك إلى قوة التأثير، واستثارة العواطف تحريك العقول طلبا للامتثال فلا يجنح الأديب في تعبيره إلى إحكام الصنعة متناسيا تحقيق المعنى في صورة متلائمة، وتلك الخاصية نلحظها في تعبير النبي الكريم، فهو لا يحفل بصياغة القوالب، بقدر ما يحفل بالمعنى وتبليغه أذهان السامعين، وشاهد ذلك ما لمسناه في خطبته تلك فقد تناسقت ألفاظها وتلاءمت تراكيبها فجات أنماطا من التعبير المبتكر.

وآية ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: (إنما النساء عوان لا يملكن لأنفسهم شيئا"الولد للفراش وللعاهر الحجر وقوله - صلى الله عليه وسلم -"ألا هل بلغت اللهم اشهد.

المعنى هو المقصود من تلك التراكيب طلبا للامتثال، وقد حرك الشعور، واستشعار العقل، دون تكلف في الصناعة اللفظية.

ومن أروع خصائص التعبير في هذا النص الكريم: اكتمال الوحدة الموضوعية، فعلى الرغم من تناول عدد من الموضوعات في هذا النص فإننا نلحظ بناءه على الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والتزهيد في الدنيا، والغض من قيمتها، والتحبيب في الآخرة والعمل لها. فكأنما هذا النص قد نظم في خيط واحد، لا اختلال في عقده، ولا عيب يلحق مبناه ومعناه.

وخلاصة القول: أن أسلوب هذه الخطبة، وأسلوب غيرها من الكلام النبوي الشريف. لا يملك أي ناظر إلا أن يقول فيه: (( إن الجمال الفني في بلاغة محمد صلى الله عليه وسلم أثر على الكلام من روحه النبوية الجديدة على الدنيا وتاريخها. فكلامه صلى الله عليه وسلم - يجري مجري عمله. كله دين وتقوى وتعليم. وكله روحانية وقوة وحياة فيه روح الشريعة ونظامها وعزيمتها في نسق هادئ

(1) الخطابة في صدر الإسلام للدكتور/ محمد طاهر درويش ص 217 وموسوعة العقاد الإسلامية ص 83 المجلد 2 نشر دار الكتاب العربي - بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت