الصفحة 24 من 153

عن الشئون الخاصة، ومن المسائل الجماعية إلى المسائل الشخصية، وبهذا وذاك يسعد المجتمع، وتتهيأ أسباب الحياة الصالحة للناس كافة.

وتلك الموضوعات المندرجة في ثنايا تلك الخطبة، ذات معان شريفة سامية، تأخذ بلباب السامع والقارئ لأنها من إلهام النبوة، ونتاج الحكمة وغاية العقل، فلننظر إلى خصائص الأسلوب الذي أديت به تلك المعاني.

أنه بأدنى نظرة فاحصة تتبدى لنا فنية الكلمة التي تأخذ مكانها في معيار الفصاحة، فلئن كانت الفصاحة راجعة إلى حسن الملائمة بين الحروف باعتبار أصواتها ومخارجها، حتى تستوي في تأليفها على مذاهب الإيقاع اللغوي فهذا أمر لم يتم إلا لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، فقد تهيأ له من إحكام الضبط وإتقان الأداء لفظ مشبع، لسان بليل، وتجويد فخم، ومنطق عذب ونظم متساوق [1] ، فكل جملة أخذت مكانها، وأدت معناها الذي سيقت له، وفق إحكام بديع، تزينه كناية لطيفة، من مثل قوله - صلى الله عليه وسلم: (إنما النساء عندكم عوان) فلفظة (عوان) كناية عن ضعف المرأة.

ولكن لم قال - صلى الله عليه وسلم - هنا (اتقوا الله في النساء) وقال في خطبة أخرى: (فاتقوا النساء) ؟ لا خلاف بين القولين، ولا تناقض في الوصايتين فإن في النساء لخطرا يخشى قد تضعف الرجال حياله، فجاء التركيب هناك بجملة (فاتقوا النساء) وإن في النساء لضعفا يرحم، قد تصول الرجال إزاءه، فجاء التركيب منتظما من خلال قوله - صلى الله عليه وسلم: (فاتقوا الله في النساء) وتأمل هذا المجاز من قوله - صلى الله عليه وسلم: (ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع فهو تعبير تذهب فيه الكلمة كل مذهب، وتبقى النفس إزاءه متشعبة، لكن سرعان ما تهدأ وقد علمت أنه مجاز المراد به إذلال أمر الجاهلية، وحط أعلامها، ونقض أحكامها، كما يذل الشيء الموطؤ الذي تدوسه الأخامص الساعية، والأقدام الواطئة، فلا يبقى منه مرفوع إلا وضع، ولا قائم إلا صرع [2] .

وانظر إلى وجازة هذا المثل في قوله - صلى الله عليه وسلم - (الولد للفراش وللعاهر الحجر فهو من الفوائد التي اختص بها النبي الكريم"ومعناه لا حق له في نسب الولد" [3] .

وأمعن النظر في التركيب مراعيا ذلك"الختام الموسيقى للصوت"يلتزمه - صلى الله عليه وسلم - أخر كل مقطع من مقاطع هذه الخطبة تلك العبارة الجميلةـ، ذات الإيقاع الصوتي العذب، والنغم الممتد"ألا هل بلغت"اللهم اشهد إنها الفطرة السليمة، والذوق الرفيع يهديان عفوا إلى من تقصر دونه بلاغة

(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية للرافعي ص 367، 384، 386.

(2) المجازات النبوية للشريف الرضي ص 102، شرح طه عبدالرؤوف سعد/ مطبعة الحلي مصر 1391 هـ.

(3) العقد الفريد لابن عبد ربه جـ 1 ص 5 تحقيق محمد سعيد العريان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت