التحدي بين المعاني والمنافسة في ظهور الغرض وهذه قوة المعاني [1] ، وإذا تأملنا معاني هذه الخطبة ألفينا أنماطا من القيم الخلقية الإنسانية الرفيعة فهي تدعو إلى: التقوى وإلى الإخوة وإلى العدل في الحقوق الإنسانية كما يحدد ذلك ويفصح عنه قوله - صلى الله عليه وسلم: أوصيكم ونفسي بتقوى الله وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير، وعن تقرير مبدأ الأخوة يقول - صلى الله عليه وسلم - إنما المؤمنين إخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، بل تقترن الأخوة بالتقوى في أسلوب هذه الخطبة، فهما جناحا النجاة حيث يقول - صلى الله عليه وسلم - (أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب"وهذا جناح الإخوة يلتحم مباشرة مع جناح التقوى من قوله - صلى الله عليه وسلم:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى" [2] ."
ونلحظ تدرج هذه الخطبة في عرض موضوعاتها مبتدأه من أدنى الحقوق الإنسانية القيم الخلقية إلى أعلاها، فحين تتحدث عن نصيب الإرث تنتقل إلى الحديث عن حق النسب من قوله - صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس: إن الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا يجوز لوارث وصية في أكثر من الثلث، ثم يقول عن حقوق النسب: (والولد للفراش وللعاهر الحجر فهنا عدل في حق اجتماعي وأخر قضائي وهذا منتهى السمو في مدارج البلاغة العربية الذي يشف عنه إلهام النبوة وقدرتها على التصرف في فنون القول"إذ لم يكن الإسلام الذي يدعو إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - ويوطد دعائمه دين جمود فيقف عند المطالب الأخروية شأن ما سبقه من الأديان بل جاوزها إلى تحقيق المصالح الدنيوية فكان لا بد للشارع الحكيم من أن يتعرض لكل ما به تصلح أمور البشرية في العقيدة والتشريع والمعاملات، الحكم والسياسة، والاجتماع والأخلاق والفكر [3] إلى ما هو أدق وأخطر كمبدأ الصلة والتقارب والتحاب بين الأفراد والجماعات سواء كان هؤلاء الأفراد والجماعات من ذوى القربى أو من غيرهم وذلك لخطورة هذه القيم وصلتها الوثيقة بحماية الفرد والمجتمع فنرى تلك الخطبة قد تنقلت بواسطة هذه الموضوعات من معلم إلى معلم ومن غرض إلى غرض وكل فكرة تحملها ذات طابع فني جميل."
فقد أتى - صلى الله عليه وسلم - في مطلع خطبته (بمقدمة مثيرة للانتباه إلى ما بعدها، ثم انتهى منها إلى قوله(أيها الناس) وأخذ يبين معالم الدين وحدوده، ويحض سامعيه في أمر دينهم ودنياهم، إذ يقول: (إن لنسائكم عليكم حقا ولكم عليهن حقا) وفي هذا انتقال من الكلام عن الأمور العامة إلى الكلام
(1) المصدر السابق ص 197.
(2) القيم الخلقية في الخطابة العربية ص 73 د/ سعيد حسين منصور/ الطبعة الثانية 1399 هـ.
(3) الخطابة في صدر الإسلام د/ طاهر درويش ص 138، 215، 216.