حمد الله تعالى والثناء عليه بآلائه، وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبين موارد غضبه، ومواقع رضاه، وكان يقصر خطبته أحيانا، ويطيلها بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة [1] .
ولا شك أن كلام ابن قيم الجوزية وكلام غيره ممن سبقه وممن جاء بعده قول فصل في وصف كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يستطيع أديب ولا متأدب أن يحصى الخصائص الفنية لجميع كلامه الشريف وحسبنا أن نتلمس تلك الخصائص التي تميز كلامه في كل لون من ألوان النصوص النبوية من حديث إلى خطبة إلى رسالة إلى وصية إلى موعظة .. خصائص تنأى بكلامه الشريف وترتفع به عن كلام المتفاصحين والبلغاء والأدباء صناع الكلام.
إن أول خصوصية في هذا النص تلك الرابطة الوثيقة بين معاني هذه الخطبة وتدرجها في أسلوب الأمر والنهى، والتحذير، وترتيب النتائج، وحسن الربط بين البدء والختام بما لا مزيد عليه.
والبناء في تركيب الجمل ضمن الألفاظ المفردة تراه يشع بالرونق والطلاوة من غير تكلف في تخير الألفاظ وانتقائها، لأن المعنى هو الذي يطلب اللفظ فلا تكلف ولا صنعة، إنما هي عبارة جزلة فخمة في موضع التفخيم لينة سهلة في موضع اللين والسهولة، تطاوع كل لفظة أختها في أداء المعنى وإقراره.
وفي ثنايا هذه الخطبة الشريفة عدد من المقابلات العجيبة، التي تحقق من خلالها ما ساعد على وضوح الفكرة، لأن استعمال الكلمات المتقابلة المتضادة مما يزيد في البيان ويوضح خواصه على أن يخلو هذا اللون من الأسلوب مما يفضي به إلى الغلو حتى يعود صنعة بديعية تفسد الأسلوب [2] .
وقد عريت هذه الخطبة الشريفة من هذه الصفات ذات الصنعة فإن أسلوب التقابل والتضاد قد جاء عفويا من غير قصد إليه.
من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: (من يهدي الله فلا مضل له"يحلونه عاما ويحرمونه عاما"السماوات والأرض"ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى"فليبلغ الشاهد الغائب"."
إنها عبرات فنية عجيبة لم تتصيد ولم تتخير بالبحث والاستقصاء وإنما سلك بها مسلك الطبع الفطري الذي لا تكلف فيه ولا تعمل ولم يأت أي أسلوب من هذه المقابلات إلا لأنه نوع"من"
(1) زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية ص 182، 188، 191، تحقيق وتخريج وتعليق شعيب الأرنؤوط، جـ 1/ مكتبة المار الإسلامية/ الكويت.
(2) الأسلوب لأحمد الشايب ص 189 الطبعة السادسة 1966 م/ مكتبة النهضة المصرية/ القاهرة.