الصفحة 21 من 153

أيها الناس: إنما المؤمنون أخوة، ولا يحل لامرئ مسلم مال أخيه إلا عن طيب نفس منه .. ألا هل بلغت اللهم اشهد.

فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعدي، كتاب الله وسنتي .. اللهم هل بلغت اللهم اشهد.

أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد كلكم لأدم وأدم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير، وليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى .. إلا هل بلغت اللهم اشهد.

-قالوا: نعم - قال: فليبلغ الشاهد الغائب.

أيها الناس: إن الله تعالى قسم لكل وارث نصيبه من الميراث فلا تجوز لوارث وصية، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته [1] .

وبعد فما يقول الناظر في هذا النص الشريف على طوله ووجازته وتوسطه واعتدال فقره، لقد جمع بين طرفي نقيض من الإطناب غير الممل والإيجاز غير المخل، حتى طابقت ألفاظه لمعانيه ولم يسلك به - صلى الله عليه وسلم - مسلك صناع الكلام على الرغم من كثرة المعاني السامية الشريفة التي تخللت جزيئاته، وهذه المعاني كثيرا ما تكون بحاجة ماسة إلى كثير من زخرف القول لتأكيد هذا المعنى، نفى هذا المعنى، وتفصيل هذا المعنى واختصار هذا دون ذاك، لكنها العناية الربانية التي تمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتزوده بالمعارف التامة فحاشاه من زخرف القول وتكلف الصنعة فإنه لا ينطق عن الهوى وإنما هو وحي يوحى، يقول ابن قيم الجوزية في سرد خصائص كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( كان أفصح خلق الله، وأعذبهم كلاما، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا، وحتى أن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب ويسبي الأرواح ويشهد له بذلك أعداؤه، وكان إذا تكلم بكلام مفصل مبين يعده العاد ليس بهذا مسرعا لا يحفظ، ولا منقطعا تتخلله السكتات بين إفراد الكلام بل هديه فيه أكمل الهدي.

ويقول ابن قيم الجوزية في هدي خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يخطب خطبة إلا بدأها بحمد الله والثناء عليه، وكان يختمها بالاستغفار وكان كثيرا ما يخطب بالقرآن بل كان مدار خطبه - صلى الله عليه وسلم - على

(1) الخطبة في البيان والتبيين للجاحظ جـ 2 ص 31 وما بعدها، وفي العقد الفريد لابن عبد ربه جـ 4 ص 57، 58 شرح وتصحيح أحمد أمين، أحمد الزين، إبراهيم الأبياري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت