في جميع ما يطلبونه من الاستعارة والتمثيل والكناية، وغير ذلك من المجازات الرشيقة والمعاني اللطيفة الدقيقة [1] .
ويؤيد توافر هذه الخصائص في النصوص ما أورده الجاحظ من الخطب لعلي ولغيره من خطباء الإسلام من ذلك خطبته - كرم الله وجهه - في الحث على الجهاد، فقد قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله:
(أما بعد: فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء، ولزمه الصغار، وسيم الخسف، ومنع النصف. ألا وأنى قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرًا وإعلانًا، وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزى قوم - قط - في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم، وثقل عليكم قولي واتخذتموه وراءكم ظهريا، حتى شنت عليكم الغارات هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، وقتل حسان وابن حسان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها، وقتل منكم رجالا صالحين، ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة فينزع حجلها وقلبها ورعاثها. ثم انصرفوا وافرين، ما كلم رجل منهم كلما فلو أن رجلا مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان عندي به ملومًا بل كان به عندي جديرا، فيا عجبا من جد هؤلاء القوم في باطلهم، وفشلكم عن حقكم، فقبحا لكم وترحا، حين صرتم هدفا يرمى وفيئا ينتهب، يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون، فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم: حمارة القيظ. أمهلنا ينسلخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير في البرد، قلتم: أمهلنا ينسلخ عنا القر. كل ذا فرارًا من الحر والقر. فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم - والله - من السيف أفر، يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال، وددت أن الله أخرجني من بين ظهرانيكم، وقبضني إلى رحمته من بينكم. والله لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم. معرفة والله جرّت ندما. قد وريتم صدري غيظًا. وجرعتموني الموت أنفاسا، وأفسدتم على رأيين بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: ابن أبى طالب شجاع ولكن لأعلم له بالحرب. لله أبوهم. وهل منهم أشد لها مراسا، أو أطول لهما تجربة مني؟ لقد مارستها وما بلغت العشرين، فهأنذا قد نيفت على الستين. ولكن لا رأي لمن لا يطاع [2] .
(1) المصدر السابق ص 167.
(2) البيان والتبيين للجاحظ جـ 2 ص 53 وما بعدها تحقيق وشرح عبد المصر. هارون والعقد الفريد لابن عبد ربه جـ 4 ص 136 وما بعدها تحقيق محمد سعيد العربان.