الصفحة 14 من 153

ونضيف على ما ذكره العلوي فنقول: هذه الخصائص التي اشتمل عليها هذا الكلام النبوي إنما هي خصائص تتعلق بالإطار، فما الخصائص التي تتسم بها المعاني؟ إن أول ما يطالعك من خصائص هذه الدرر في معانيها: اشتمالها على المعنى الكثير باللفظ القليل، مع بعد الغاية في المقصد وشرف المعنى وسموه ووضوحه وسلامته من التعمية الألغاز والغموض والتعقيد مع ما يتصف به في لفظه ومعناه من جزالة وفخامة، ومن رقة وعذوبة وهذه الخصائص مجتمعة قد لا تتحقق لمتكلم ما فكأنما هذا مما خص به كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولنا عود إلى الحديث عن كلام رسول الهدي - صلى الله عليه وسلم -.

فلننتقل إلى شيء مما ذكره العلوي من كلام الصحابة الأجلاء وليكن ذلك مما أورده من كلام الإمام علي كرم الله وجهه، يقول العلوي: قال أمير المؤمنين علي بن أبى طالب كرم الله وجهه: نحن أمراء الكلام، وفينا تشبثت عروقه وعلينا تهدلت أغصانه قال العلوي: ومن كلامه - كرم الله وجهه - في معنى بدء الخليقة: فطر الله الخلائق بقدرته، ودبرها بحكمته ونشر الرياح برحمته ووتد بالصخور ميدان أرضه، ثم قال: أول الدين معرفته، وكمال معرفته توحيده وكمال توحيده التصديق به، وكمال التصديق به الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي صفات النقائص عنه.

ومن النوادر في الحكم والآداب قوله رضي الله عنه: قيمة كل امرئ ما يحسن فهذه اللفظة: لا يوازيها حكمة، ولا تقوم أمامها جملة، وقوله: المرء مخبوء تحت لسانه، والسعيد من وعظ بغيره، والمغبوط من سلم له دينه مصارع العقول تحت بروق الأطماع، بالبر يستعبد الحر، الطمع رق مؤبد، التفريط ثمرته الندامة [1] .

وعن الخصائص الفنية لهذه الكلمات يقول العلوي فلنورد من كلامه أمثلة ثلاثة على مثال ما أوردناه من السنة النبوية، والقرآن الكريم، لأن كلامه عليه مسحة وطلاوة من الكلام الإلهي، وفيه عبقة ونفحة من الكلام النبوي ولقد أتى في توحيد الله تعالى وتنزيهه عن مشابهة الممكنات وبعده عن مماثلة المكونات، بكلام ما سبقه إليه سابق، ولا أتى بما يدانيه من تأخر بعده من تابع ولا لاحق.

من عرف كلام البلغاء في خطبهم ومواعظهم بعده كرم الله وجهه إلى يومنا هذا غير كلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - علم قطعا لا شك فيه، أنهم قد أسفوا في البلاغة،، وقصروا في الفصاحة وسبق والعجيب من علما أعرفكم. والجماهير من حذاق المعنى حيث توغلوا في أودية البلاغة، وأعرضوا عن كلامه مع علمهم بأن الغاية التي لا رتبة فوقها ومنتهى كل مطلب، وغاية كل مقصد

(1) المصدر السابق ص 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت