الصفحة 13 من 153

الأهبة للأزوف النقلة، وأعدوا الزاد لقرب الرحلة، واعلموا أن كل امرئ على ما قدم قادم، وعلى ما خلف نادم.

حول هذا النص النبوي الكريم يقول العلوي:

فليعمل الناظر نظره في هذا الكلام، فما أسلس ألفاظه على الألسنة، وما أوقع معانيه على الأفئدة وما احتوى عليه من التنبيه البالغ، والوعظ الزاجر، والنصيحة النافعة، فقد صدره بالتحذير أولا عما يعرض من مصائب الدنيا من الانخداع والغرور، والاستهواء، وعقبه - ثانيا - بالتحذير عن الركون إلى الدنيا، ونبه بألطف عبارة وأوجزها على زوالها وانقطاعها، وأردفه - ثالثا - بالحث على عمل الآخرة وأخذ الأهبة للزاد، ثم ختمه بتحقيق الحال في الإقدام على ما فعله الإنسان من خير وشر، وأنه نادم - لا محالة - على ما خلفه من الدنيا وأنه غير نافع ولا مجد.

ومن محاسن هذا الكلام الذي كله درر: اشتماله على أنواع أربعة من فنون البديع، أولها السجع في قوله - صلى الله عليه وسلم: العاجلة والأمنية والخدعة، والزوال والانتقال، وثانيها: (التجنيس) في قوله - صلى الله عليه وسلم - كإناخة راكب أوصر حالب، وثالثها (الاشتقاق) في قوله - صلى الله عليه وسلم: كل امرئ على ما قدم قادم، وهذا من بلاغة القرآن الكريم يقول تبارك وتعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} [1] ورابعها: (الائتلاف) وهو أن تكون الألفاظ لائقة بالمقصود فحيث كان المعنى فخما فاللفظ يكون جزلا كقوله - صلى الله عليه وسلم: (لا تكونوا كمن اختدعته العاجلة وغرته الأمنية واستهوته الخدعة) .

وإن كان المعنى رشيقا اللفظ سهلا رقيقا كقوله - صلى الله عليه وسلم: فكأنكم بما قد أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن، وبما تصيرون إليه من الأجرة لم يزل قال العلوي: وهذه فرائد من كلامه - صلى الله عليه وسلم - بما يتعلق بالقدرة والآداب: يقول من لا ينطق عن الهوى: من عرف نفسه عرف ربه، ما هلك امرؤ عرف قدره، رُب حامل فقيه غير فقيه، رُب مبلغ أدعى من سامع، رُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء، وعودوا كل جسم ما اعتاد، الطمع فقر واليأس عناء، إنه من خاف البيات أدلج في المسير وصل كرم الكتاب ختمه، الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق.

قال العلوي: فلينظر المتأمل ما اشتملت عليه هذه الكلم القصيرة من المعاني الجمة، والنكت العديدة، مع نهاية البلاغ ووقع هذه الدرر في الفصاحة أحسن موقع) [2] .

(1) سورة الروم الآية 43.

(2) الطراز ليحيى بص 168. العلوي ص 160 وما بعدها ج 1 تصحيح سيد بن علي المرصفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت