الصفحة 12 من 153

غريبة ويستحقرون الكلام إذا رأوه سلسا عذبا وسهلا حلوا، ولم يعلموا أن السهل أمنع جانبا وأعز مطلبا [1] ، إن تحقق هذه الخصائص مجتمعة تغرى بالمضي في الحديث عن الخطابة الإسلامية ذلك اللون الذي سبق الشعر في الظهور والتأثير، وكان من أجمل فنون الأدب الإسلامي.

ولا أرى ما يدعو إلى دراسة تاريخ هذا اللون في الأدب فإنه صاحب ظهور الدعوة الإسلامية على يد محمد - صلى الله عليه وسلم - وظلَّ مرافقا للعطاء الأدبي طوال نشر الدعوة الإسلامية على يد القادة الفاتحين من رعيل الصحابة والتابعين والخلفاء والولاة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولم يزل هذا اللون يساير النهضة الأدبية الحديثة عند طائفة كبيرة من المفكرين والأدباء والمصلحين إلى اليوم.

وإذا أردنا أن نقف على خصائص هذا اللون الأدبي، وندرسه دراسة نقدية من منظور إسلامي فإن في نصوصه عبر تاريخ الأدب العربي ما يدلل على عطاء الأدبي الإسلامي ويبرهن على وجود أدب متميز ملتزم غائي نبيل هادف.

وإذا كان من أجود ما يجلى الخصائص الفنية للعمل الأدبي الوقوف على شنئ من النصوص التي خلفها الرعيل الأول من المسلمين فإن في أدب الدعوة الإسلامية من النصوص الخطابية ما ينهض بدراسة أدبية نقدية كاملة.

وإذا كان الأدباء يتفاضلون في أعمالهم الأدبية شعرا ونثرا، فإن إمام الفضل والفضيلة في الأدب الإسلامية هو رسول الأمة ونبيها محمد - صلى الله عليه وسلم - لأن أدبه هو ذلك الكلام الرفيع الذي لم يدرك شأوه بليغ ولا فصيح، فلنقف على شيء من كلامه الشريف ضمن كلمات ليست من بوح الخاطر، وليست في الإبداع هواجس شاعر، ولا هي من تكلف المتفاصحين، ولا من مأثور البلغاء والبلاغيين، وإنما هي عقود مشذرة تعد واسطة العقد في الكلام، وجواهره في المعاني السامية الشريفة، لصدورها عن إمام العلم والحكمة، ونبي الهدى والرحمة، ساق منها العلماء في أثارهم، واقتبس منها الأدباء في عطائهم وأوردها علماء اللغة والبيان شواهد على قواعدهم وأمثلتهم، فهي مدد فياض لا ينضب أبد الدهر.

أورد العالم الأديب يحيى بن حمزة العلوي، في كتابه (الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز) ما لا يمل إذا أعيد: من ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا تكونوا كمن اختدعته العاجلة، وغرته الأمنية، واستهوته الخدعة، فركن إلى دار سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، إنه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب أوصر حالب، فعلام تفرحون؟ وماذا تنتظرون؟ فكأنكم بما أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن، وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل، فخذوا

(1) الصناعتين لأبي هلال العسكري ص 63، 66 تحقيق علي محمد الجاري وأبي الفضل إبراهيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت