وقبل أن نتحدث عن خصائص هذه الخطبة الإسلامية هناك أمر يحسن التنبيه عليه فيما يتعلق بصحة نسبة ما دوِّن من الخطب إلى علي كرم الله وجهه. أقول في ما قيل: لقد حفظت كتب التراجم والسير وأمهات مصادر البلاغة والنقد والأدب عددا كبيرا من خطب الإمام على- كرم الله وجهه - غير أن أغلب هذه الخطب ليس من نسج كلامه، ولا من مكنون مراده وإنما هو من قبيل الكلام المصنوع المدخول عليه، وبخاصة ما كان الخطب التي بين دفتي كتاب (نهج البلاغة) فقد أشار إلى ذلك كثير من العلماء، واختلفوا هل هو من عمل الشريف المرتضى المتوفى سنة 436 هـ أو من عمل أخيه الشريف الرضي المتوفى سنه 406 هـ.
يقول ابن خلكان في ترجمة أوردها له بكتابه (وفيات الأعيان) : (قد اختلفت الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه هل هو جمعه أو جمع أخيه الرضي وقد قيل: إنه ليس من كلام علي، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه) [1] ويردد هذا الكلام اليافعي في مرآة الجنان وابن العماد في شذرات الذهب، ويؤكد الذهبي في ميزان الاعتدال أن الشريف المرتضى هو الذي وضعه، ويذهب مذهبه ابن حجر العسقلاني في (لسان العرب) حيث يقول:
(من طالع نهج البلاغة جزم أنه مكذوب على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ففيه السب الصراح والحط على السيدين: أبى بكر وعمر رضي الله عنهما، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنفس القرشيين الصحابة وبنفس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين جزم بأن الكتاب كله باطل وذهب النجاشي ت 450 هـ في كتابه(الرجال) إلى أن مؤلف الكتاب هو الشريف الرضي. وما ذهب إليه النجاشي هو الصحيح بشهادة الرضي نفسه وشهادة شراح كتابه، فقد ذكر في الجزء الخامس المطبوع من تفسيره أنه هو الذي ألفه ووسمه باسمه (البلاغة) كما ذكر ذلك في كتاب (( مجازات الآثار النبوية ) )ويشير ابن أبي الحديد ت 655 هـ. في شرحه للكتاب يعترف بأن خطبته من عمل الشريف الرضي، ويذهب ابن هيثم البحراني في شرحه عليه إلى أنه من تأليف الشريف.
وعلى هذا فالكتاب من صنع الشريف الرضي، وظهر أنه ليس من عمله جميعا فقد أضاف إليه عدد كبير من أرباب الهوى خطبا كثيرة، ودليل هذه الإضافات ما ذكره المسعودي في (( مروج الذهب ) )إذ يقول: (( الذي حفظ الناس عن علي من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهية تداول الناس ذلك عنه قولا وعملا. وكأن الشريف الرضي
(1) انظر وفيات الأعيان لابن خلكان جـ 3 ص 313 تحقيق الدكتور/ إحسان عباس - دار صادر/ بيروت.