لا تقس بالنبي في الفضل خلقا ... فهو البحر والأنام أضاء [1]
وننتقل مع الشاعر البوصيري في قصائده الإسلامية لنطل على شيء من أبياته الرائعة في قصيدته الرائعة المادحة التي يعزى فيها أحد ولاة المسلمين في عهده قصيدة رائعة تصل أبياتها إلى خمسين ومائه بيت - فهي ملحمة إسلامية حوت كثيرا من المعاني الإسلامية الدفاقة، فلم يقتصر الشاعر البوصيري فيها على تعداد خصال الفضائل لممدوحه، بل جمع فيها وأوعى من فضائل الإسلام وخصائصه ومثله وأحكامه من هذه القصيدة قول البوصيري.
أخجلت بالحلم سادات الزمان فلم ... يعفوا كعفوك عن ذنب - إذا قدروا
ولم تزل تستر العيب الذي كشفوا ... ولم تزل تجبر العظم الذي كسروا
لو إن ألسنه الأيام ناطقه ... أثنت على فضلك الآصال والبكر
وبعد هذه الأبيات يلتفت البوصيري إلى ذلك الوالي في عاطفة صادقة مشبوبة لولا بعض المبالغات في المعاني.
بنانه من نداه الغيث منسكب ... وسيفه من سطاء النار تستعر
نهته عن لذة الدنيا نزاهته ... وشره النوم من أجفانه السهر
خاف الإله فخافته رعيته ... والمرء يجزى بما يأتي وما يذر
فطهر الأرض من أهل الفساد فلا ... عين لهم بقيت فيها ولا أثر
ودبر الملك تدبيرا يقصر عن ... إدراك أيسره الإفهام والفكر
وحين طارت إلى الأعداء سمعته ... مات الفرنج بداء الخوف والتتر
وكل أرض ذكرناه بها غنيت ... عن أن يجرد فيها الصارم الذكر
كأن صارمه في كل معترك ... نذير موت خلت من قبله النذر
يا حسن ما يجمع الدنيا وينفقها ... كالبحر يحسن منه الورد والصدر
لكل شرط جزاء من مكارمه ... وكل مبتدأ منها له خبر
فما نظمت مديحا فيه مبتكرا ... إلا أتاني جود منه مبتكر
مشى صراطا سويا من ديانته ... فما يزال بأمر الله يأتمر ...
مشمر في مراعى الله مجتهد ... وبالعفاف وتقوى الله مؤتزر
(1) المصدر السابق للبوصيري ص 50 وما بعدها.