الصفحة 130 من 153

ويستطرد البوصيري في تعداد خصال النبي الكريم من غير إطراء ولا كذب وأنى له أن يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول عنه ما ليس فيه، ومن هنا ينبغي تنبيه القارئ على شيئين هامين: أحداهما يتعلق بحياة البوصيري العقدية وثانيهما يتعلق بشعره وبخاصة قصيدته (البردة) .

أما الشيء الأول: ما اكتنف حياة البوصيري من أخذه وملازمته وتأثره بمنهج الصوفية، ذلك المذهب الملزم الذي نحا بكثير من العلماء والزهاد والعباد إلى إتباع ما لم يؤمروا به مبالغته في الجانب التعبدي من العقيدة.

وأما الشيء الثاني: فهو أن هذا التصوف انعكس على شعر البوصيري فورد في عدد من قصائده وبخاصة قصيدته (البردة) أبيات متناثرة هنا وهناك كلها مبالغة وإيغال وعلو، لا يليق بمقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يليق بمسلم يتأسى برسول الله خلقا وإتباعا، لا يليق بشاعر مسلم يقول ليصحح ويعرب ويمحو ما هو فاسد مشين.

تقول أبيات البردة في إكمال سيرها البياني الرائع الجميل: مما لا مبالغة فيه ولا إيغال:

فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم

فإنه شمس فضل هما كواكبها ... يظهرن أنوارها للناس في الظلم

أكرم بخلق نبي زانه خلق ... بالحسن منتظم بالبشر متسم

كالزهر في طرف والبدر في شرف ... والبحر في كرم والدهر في همم

كأنه وهو فرد - في جلالته ... في عسكر حين تلقاه وفي حشم

أبان مولده عن طيب عنصره ... يا طيب مبتداء منه ومختتم

ومن هذه الرائعة الإسلامية قول البوصيري

دعني ووصفي آيات له ظهرت ... ظهور نار القرى ليلا على علم

فالدر يذداد حسنا وهو منتظم ... وليس ينقص قدرا غير منتظم

آيات حق من الرحمن معجزة ... قديمة صفة الموصوف بالقدم

محكمات فما تبقين من شبه ... لذي شقاق وما تبغين من حكم

لها معاني كموج البحر في مدد ... وفوق جوهرة في الحسن والقيم [1]

وللبوصيري قصيدة همزيه في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها:

(1) ديوان البوصيري، ص 238 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت